واشنطن تفتح جبهة جديدة ضد هافانا


اتهمت العدالة الأمريكية الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو في 20 مايو 2026 لدوره المزعوم في تدمير طائرتين مدنيتين في عام 1996. ويأتي هذا القرار، الذي تم تقديمه رسميًا على أنه مسعى لتحقيق العدالة للضحايا الأمريكيين، في سياق دولي متفجر: الحرب بين واشنطن وطهران، والتدخل الأمريكي في فنزويلا، وأزمة الطاقة في كوبا، والتوترات المتزايدة في منطقة البحر الكاريبي. ويرى العديد من المحللين أن هذه القضية تتجاوز الإطار القضائي وتكشف عن استراتيجية أمريكية أكثر عالمية للضغط الجيوسياسي، مع منطق محتمل لتحويل وسائل الإعلام وإظهار القوة.

تجاوزت الولايات المتحدة عتبة غير مسبوقة يوم الأربعاء 20 أيار/مايو في مواجهتها مع كوبا. وجهت محكمة اتحادية في ميامي الاتهام إلى الزعيم الكوبي السابق، راؤول كاسترو(94 عاما) بتهم “القتل” و”التآمر لقتل مواطنين أميركيين” و”تدمير طائرات”. وتتعلق القضية بإسقاط طائرتين تابعتين للمنظمة المناهضة لكاسترو في 24 فبراير/شباط 1996. الاخوة للإنقاذ، والتي توفي خلالها أربعة أشخاص.

منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، اتبعت واشنطن سياسة الضغط الأقصى ضد كوبا: تشديد العقوبات، والحصار الفعلي للطاقة، والتهديدات باتخاذ تدابير اقتصادية جديدة، والدعم المعلن للانتقال السياسي في الجزيرة. والآن تناقش العديد من وسائل الإعلام الأميركية والبريطانية علناً استراتيجية “تغيير النظام”.

ويحدث هذا الارتفاع في التوتر في سياق جيوسياسي أوسع بكثير. انخرطت الولايات المتحدة لعدة أشهر في مواجهة مع إيران في الشرق الأوسط، تميزت بعمليات عسكرية وانتشار بحري وزيادة الاستقطاب حول إسرائيل والخليج.

في هذا المناخ، يرى بعض المراقبين أن قضية راؤول كاسترو هي محاولة لإعادة تأكيد القوة الأمريكية في “ساحتها الخلفية” في أمريكا اللاتينية، حتى في الوقت الذي تواجه فيه واشنطن استنزافًا سياسيًا مرتبطًا بالتوترات في الشرق الأوسط.

استراتيجية أمريكية للضغط العالمي

تعمل إدارة دونالد ترامب على زيادة الجبهات الجيوسياسية ضد إيران وفنزويلا وكوبا، بينما تسعى إلى احتواء النفوذ الروسي والصيني في منطقة البحر الكاريبي. بعد سقوط نيكولاس مادورو في أوائل عام 2026، تمر كوبا، المحرومة من الدعم النفطي الفنزويلي والتي تضررت من حصار الطاقة الأمريكي، بأزمة اقتصادية واجتماعية خطيرة. وفي هذا السياق، يبدو اتهام راؤول كاسترو بمثابة رسالة سياسية قوية: تريد واشنطن إظهار قدرتها على ممارسة الضغط القضائي والاقتصادي والاستراتيجي في وقت واحد على العديد من الخصوم.

اقرأ أيضًا: ترامب يعلن القبض على مادورو بعد ضربات على كراكاس

ومع ذلك، تظهر قراءة نقدية أخرى: قراءة الانحراف السياسي والإعلامي. ورغم أن الحرب المباشرة مع إيران تؤدي إلى انقسام جزء من الرأي العام الأميركي ــ بما في ذلك بعض الدوائر المحافظة التي تعارض أي التزام عسكري جديد مكلف ــ فإن التركيز على كوبا من شأنه أن يسمح لواشنطن بتحويل انتباهها مؤقتاً إلى منطقة أكثر توافقاً تاريخياً في السياسة الداخلية الأميركية، وخاصة في فلوريدا.

ويعزز التاريخ الذي تم اختياره هذا البعد الرمزي: فقد صدر الإعلان في العشرين من مايو/أيار، وهو الذكرى السنوية لتأسيس كوبا في عام 1902. وفي فلوريدا، المعقل الانتخابي الاستراتيجي، يحتفظ الخطاب المناهض لكاسترو بثقل سياسي كبير لدى جزء من الناخبين الكوبيين الأميركيين.

ويرى العديد من المنتقدين أن التغطية الإعلامية المذهلة للائحة الاتهام تجعل من الممكن أيضاً إعادة تنشيط خطاب الحرب الباردة التاريخي في وقت حيث يتركز الاهتمام العالمي في الأساس على الشرق الأوسط وإيران.

عدالة تاريخية أم استغلال؟

ومن حيث الموضوع، تظل قضية عام 1996 حساسة للغاية. ومنذ ذلك الحين، تطالب عائلات الضحايا بمحاكمة المسؤولين الكوبيين. بالنسبة لواشنطن، تعتبر هذه خطوة قانونية مشروعة ومتأخرة. لكن في هافانا، يُنظر إلى لائحة الاتهام هذه على أنها استغلال سياسي للقانون الأمريكي. تتهم الحكومة الكوبية الولايات المتحدة باستخدام العدالة كأداة جيوسياسية لنزع الشرعية عن الشخصيات التاريخية في الثورة الكوبية.

وندد وزير الخارجية الكوبي، برونو رودريغيز باريلا، باستراتيجية الضغط التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي في الجزيرة. من جانبه، يزعم الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل أن العقوبات الأميركية هي السبب الرئيسي لانهيار الطاقة الحالي.

وفي كل الأحوال فإن قضية راؤول كاسترو تكشف في نهاية المطاف عن إعادة تشكيل أوسع نطاقاً للأولويات الأميركية. وفي حين أن التوترات مع إيران تحشد بالفعل جزءًا كبيرًا من موارد واشنطن الدبلوماسية والعسكرية، يبدو أن كوبا أصبحت مرة أخرى مساحة استراتيجية يجتمع فيها استعراض القوة والسياسة الداخلية الأمريكية وإرث الحرب الباردة والمعركة من أجل النفوذ الإقليمي.

Scroll to Top