توضيح النقابة وإعادة البناء الاقتصادي


لأكثر من عقد من الزمن، أظهر النموذج الاقتصادي التونسي علامات الإرهاق. ولا يزال النمو ضعيفاً، والقدرة التنافسية تتآكل، والبطالة بين الخريجين الشباب راكدة عند حوالي 30%. وتستمر الفوارق الإقليمية، مع تهميش المناطق الداخلية في البلاد بشكل متزايد مقارنة بالمناطق الساحلية. إن استنزاف المهارات والعبء الإداري والفساد كلها عوامل تؤدي إلى إبطاء الاستثمار وتحد من فعالية السياسات العامة. وفي هذا السياق، لا يمكن أن تقتصر خطة التنمية المستقبلية على ممارسة برنامجية بسيطة. ويجب أن يعكس طموحا حقيقيا للتحول، من خلال توضيح الإصلاح الإداري، والرقمنة، ومكافحة الفساد، وتنمية رأس المال البشري والحد من الفوارق الإقليمية.

وتظهر التجارب الدولية أن هذه التحولات ممكنة عندما تكون مصحوبة بإرادة سياسية قوية وأهداف قابلة للقياس. فقد نجحت رواندا، على سبيل المثال، في تحويل إطارها التنظيمي ونشر الخدمات العامة الرقمية في أقل من خمس سنوات، والانتقال من بيئة مقيدة إلى نظام تنافسي يتسم بالكفاءة. ونجحت جورجيا في خفض تأخيراتها الإدارية بنسبة 90% من خلال الجمع بين التبسيط التنظيمي والتحول الرقمي. وكما يشير تقرير البنك الدولي لعام 2023، فإن “تحديث الدولة لا يتعلق بالتكنولوجيا، بل يتعلق بالعملية والمساءلة”. ويمكن لتونس أن تستمد الإلهام من هذه النماذج من خلال تكييف الأساليب مع القيود المؤسسية والاجتماعية.

“إنفوغرافيك تونس 2026-2030: توضيح نقابي وإعادة بناء الاقتصاد”


يجمع الرسم البياني أربع كتل أساسية: السياق والشروط والأهداف والمخاطر. إنه يجعل من الممكن تصور الروابط بين دور الاتحاد العام التونسي للشغل ومتطلبات خطة التنمية وانعكاساتها على رأس المال البشري والعمل اللائق.

الإصلاح الإداري شرط أساسي. إن رقمنة العمليات غير الفعالة يرقى إلى تجميد الخلل الوظيفي في نظام أسرع، ولكن ليس أكثر كفاءة. ولتحقيق النجاح، لا بد من تبسيط دوائر صنع القرار، وتوضيح المسؤوليات، وتقليص الإجراءات. ويجب أن تكون الرقمنة امتداداً لإدارة تم إصلاحها، وليس مجرد تستر. وهذا المنطق يقع في قلب مصداقية خطة 2026-2030.

الشفافية ومكافحة الفساد محاور استراتيجية

ومن الضروري أيضًا وضع مؤشرات عامة دقيقة. إن تقليص عدد إجراءات إنشاء الأعمال، أو تقليص أوقات التصدير، أو المعدل الحقيقي لرقمنة الخدمات الإدارية، أو تطور عدد الوظائف المؤهلة أو توزيع الاستثمارات حسب المنطقة، يجب أن تكون قابلة للقياس ونشرها بانتظام. ولا تشكل هذه المؤشرات أداة للمساءلة فحسب، بل تشكل أيضا إشارة قوية للمستثمرين والمواطنين. وبذلك تصبح الشفافية ومكافحة الفساد محاور استراتيجية وليس شعارات بسيطة.

ومن المتوقع أن يتطور دور الاتحاد العام التونسي للشغل في هذا السياق. وإذا ظل الدفاع عن الإنجازات الاجتماعية أمرا أساسيا، فلم يعد من الممكن فصله عن مسألة إنتاج الثروة. إن كرامة العمل الآن تعتمد على قدرة الاقتصاد على المنافسة والقدرة على خلق فرص عمل مستقرة ومؤهلة. إن مشاركة النقابات في المناقشات المتعلقة بالإنتاجية والتدريب المهني وتحديث المؤسسات العامة وإدماج القطاع غير الرسمي تصبح أمرا ضروريا لكي تكون الحماية الاجتماعية مستدامة.

ويظل رأس المال البشري، وهو قضية مركزية أخرى، غير مقدر بالقدر الكافي. تتمتع تونس بمستوى تعليمي مرتفع، لكن ضعف التوافق بين التدريب والاحتياجات الاقتصادية وندرة الابتكار واستنزاف المواهب يحد من قدرة البلاد على الاستفادة من هذه الإمكانات. وكما ذكر خبير اقتصادي تونسي مؤخراً: “تمتلك تونس العقول، ولكن ليس لديها بعد الآليات اللازمة لتحويل رأس المال هذا إلى قيمة اقتصادية”. ويتطلب الإصلاح الفعال المواءمة بين التدريب والتوظيف والابتكار وتزويد الشباب بآفاق ملموسة للتقدم المهني.

مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل: اختبار للنضج الجماعي…

كما أن العدالة الاجتماعية والمساواة الإقليمية شرطان أساسيان لتحقيق الاستقرار. وقد أدت الاختلالات الإقليمية إلى تغذية التوترات الاجتماعية لعقود من الزمن. ويجب أن توجه أي خطة ذات مصداقية الاستثمار والبنية التحتية وبرامج التدريب نحو المناطق الداخلية والمحرومة. إن ضمان المساواة في الوصول إلى الفرص الاقتصادية وتقليص فجوات التنمية هو مسألة سياسية بقدر ما هي قضية اقتصادية.

إن المخاطر واضحة إذا لم يتم تنفيذ هذه المشاريع بشكل متزامن وصارم: الركود الاقتصادي؛ زيادة التوترات الاجتماعية. استمرار استنزاف المهارات؛ وفقدان المصداقية على المستوى الدولي. وستعتمد مصداقية خطة 2026-2030 والحوار الاجتماعي على القدرة على تنفيذ هذه التحولات ضمن جدول زمني محدد مع الالتزام بتحقيق نتائج عامة وقابلة للقياس.

ال مؤتمر UGTT، عشية هذه المرحلة الجديدة، لا يمثل فقط موعدًا نهائيًا للنقابة. فهو يشكل اختبارا للنضج الجماعي وفرصة لإعادة تحديد عقد اقتصادي واجتماعي قادر على ضمان النمو ورأس المال البشري والعمل اللائق والتماسك الاجتماعي. وتونس لديها الموارد اللازمة. لكن النجاح يتطلب تنسيقا وثيقا بين الدولة والنقابات والجهات الفاعلة الاقتصادية، فضلا عن الشفافية الحقيقية والمساءلة في الإدارة العامة.

وفي نهاية المطاف، تجد تونس نفسها في لحظة حرجة حيث يمكن أن يصبح تحول مؤسساتها واقتصادها وحوارها الاجتماعي رافعة للقدرة التنافسية والتماسك الوطني. ولن تكون خطة 2026-2030 بمثابة وثيقة استراتيجية فحسب، بل ستكون بمثابة اختبار لقدرة البلاد على مواءمة الإصلاحات الاقتصادية والحماية الاجتماعية والعدالة الإقليمية. وذلك من أجل بناء اقتصاد مستدام وشامل. وسوف يعتمد نجاح هذه الفترة على القدرة الجماعية على تحويل القيود الحالية إلى فرص تاريخية.

Scroll to Top