وفي مواجهة عجز النظام العمومي عن ضمان دخل لائق للمتقاعدين التونسيين، لم يعد التأمين على الحياة خيارا بل ضرورة. هذا الموضوع، الذي يقع في قلب المناقشات حول الحماية الاجتماعية في البلاد، حشد الخبراء والمهنيين خلال اجتماع نظم بتونس في 29 يناير 2026، في إطار الاحتفالات بالذكرى الأربعين لتأسيس شركة حياة للتأمينات. والملاحظة واضحة: فمع أن ثلاثة أرباع أصحاب المعاشات في القطاع الخاص يعيشون تحت الحد الأدنى من العتبة الضريبية وفي ظل فجوة عميقة بين معاشات التقاعد العامة والخاصة، يبدو النظام التكميلي الخاص الآن وكأنه الحصن الوحيد ضد هشاشة العمال السابقين.
خلال هذه المائدة المستديرة المخصصة لموضوع “التأمين على الحياة: أداة للحماية والتماسك الاجتماعي”، قامت أربع شخصيات بمقارنة تحليلاتها. وتحدث جميل ريحان، الذي يشغل منصب نائب المدير العام لشركة الحياة للتأمينات، إلى جانب حافظ العموري، الذي شغل منصب وزير الشؤون الاجتماعية، وكذلك الهادي دحمان، الخبير القانوني المختص في الضمان الاجتماعي، وجودة الخميري، الذي يرأس اللجنة العامة للتأمين.
كارثة كمية تتطلب العمل
إن المعطيات التي قدمها حافظ العموري، دكتور الدولة في قانون العمل والضمان الاجتماعي الذي ترأس المجلس الوطني للضمان الاجتماعي لمدة ثلاثة عشر عاما حتى عام 2024، ترسم صورة دراماتيكية. أكثر من نصف الموظفين السابقين في القطاع الخاص يعيشون على معاش سنوي لا يتجاوز خمسة آلاف دينار. تكشف المعلومات التي قدمتها وزارة المالية عن واقع أكثر قتامة: ثلاثة من أصل أربعة متقاعدين من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يفلتون من ضريبة الدخل في فئتهم الأولية، مما يدل على أن الحد الأقصى لمواردهم الشهرية هو أربعمائة وثمانون دينارا.
وشرح المسؤول الحكومي السابق سير عمل النظام التكميلي الذي يديره الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والذي يتطلب مساهمة إضافية بنسبة تسعة في المائة، مقسمة بين ستة في المائة لصاحب العمل وثلاثة في المائة للموظف. لكن هذه الصيغة ظلت راكدة لعدة سنوات، وبقيت نقطة التقاعد ثابتة عند ثلاثمائة وواحد وأربعين مليما، وهو وضع غير مشجع يدفع الشركات نحو الحلول التي تقدمها شركات التأمين الخاصة. ويؤدي انهيار الرواتب والمعاشات التقاعدية في الإدارة العامة إلى تفاقم الوضع، مما يجعل استخدام آليات الحماية الخاصة أمراً ضرورياً. وشدد العموري على أن التكامل لم يعد اختياريا في ظل ظروف التقاعد القانوني التي بالكاد تسمح للشخص بالبقاء على قيد الحياة، مذكرا بأن الخطط استهدفت في البداية نسبة استبدال تتراوح بين ثمانين وتسعين في المائة من الراتب النهائي، وهو هدف أصبح اليوم غير واقعي على الإطلاق. ودعا إلى إعادة تقييم موحدة ومفهرسة للمعاشات التقاعدية كشرط أساسي لأي إصلاح ذي مصداقية.
أداة ادخارية ذات وظائف اجتماعية متعددة
ودافع جودة الخميري عن رؤية أوسع للمنتج، مؤكدا على طبيعته الأساسية كأداة ادخارية في متناول صغار المدخرين الراغبين في بناء رأس المال تدريجيا كجزء من خطة استثمارية منظمة. تلبي الخطط الجماعية بشكل خاص احتياجات الفئات المستخدمة، مما يضمن الدفع السريع والآلي عند الإبلاغ عن الوفاة.
وشدد رئيس الهيئة العامة للتأمين على البعد الاجتماعي الكبير المتمثل في الحرية الممنوحة للمشترك في اختيار مستحقيه وتوزيع رأس المال حسب رغبته، بغض النظر عن قواعد الميراث التقليدية، مما يقدم حلولاً عملية للنزاعات الأسرية المرتبطة بالميراث. وشددت على وضوح الإطار التنظيمي الذي يحكم القطاع، لا سيما من خلال اللائحة رقم واحد المعتمدة في عام 2016، والتي تحدد بدقة الضمانات المرتبطة بعقود التأمين على الحياة.
وعلى الصعيد الضريبي، ذكرت المزايا المرتبطة بالعقود الجماعية التي توقعها الشركات، مشيرة إلى السقوف المحددة بمائة ألف ومائة وخمسين ألف دينار. لكنها أعربت عن تحفظاتها بشأن إمكانية الحصول على تدابير تحفيزية جديدة في المستقبل القريب، نظرا للسياق الاقتصادي غير المواتي. ودعا الخميري إلى منتجات مفهومة جيدا وشاملة ومصممة خصيصا، مؤكدا على أن الالتزام طويل الأجل المتأصل في التأمين على الحياة يتطلب نظاما قويا لحماية حاملي وثائق التأمين وسلطة إشرافية تعمل بكامل طاقتها. واختتمت كلمتها بالتأكيد على الضرورة التعليمية التي يجب أن تهم العملاء والشركات نفسها.
بين الضرورة العاجلة والحاجة الملحة لإجراء إصلاحات عميقة
وقد تناول الهادي دهمن المشكلة من الزاوية التقليدية ومن خلال الحوار بين الشركاء الاجتماعيين، مذكرا بأن التأمين على الحياة يظهر صراحة في المادتين الخامسة والخمسين والسابعة والثمانين من الاتفاقيات الجماعية المطبقة على قطاعي البنوك والتأمين. وتساءل عن مكانة هذه الأداة ذاتها: هل هي ضرورة مطلقة أم مكمل بسيط أم بديل أم بديل حقيقي للنظام العام؟
وأجرى الخبير القانوني تقييما نقديا للنظام القائم، مشيرا إلى عدم وجود سياسة متماسكة للرواتب ووجود أنظمة متعددة للأجور والحماية الاجتماعية متناقضة بين القطاعين. وأشار إلى عدم تفعيل النظام التكميلي للصندوق الوطني للأمن والسلامة منذ عام 2020، حيث كان لمجلس إدارة المنظمة الحق الوحيد في تطوير هذا النظام.
وسلط دحمان الضوء على فجوة كبيرة: ففي حين يصل متوسط المعاش التقاعدي الذي يقدمه المركز الوطني للتأمين الاجتماعي للقطاع العام إلى ألف وخمسمائة وستة وأربعين دينارا شهريا، فإن معاش القطاع الخاص يقتصر على ستمائة وأربعين دينارا. ويفسر هذا التفاوت بوجود نظام مساواة يعتبر سخي في القطاع العام، بينما يعتمد القطاع الخاص على آلية فهرسة تخضع لقرارات حكومية. بالنسبة له، لا يمكن للتأمين على الحياة أن يحل محل الإصلاح الهيكلي لنظام الحماية الاجتماعية، بل يشكل مكملا أصبح إلزاميا في غياب سياسة محفزة وعادلة للرواتب. وشدد على أن غياب التطويرات الكبيرة يغذي الهجرة وهروب المواهب. ووصف هذه الأنظمة الموروثة من الستينيات ولم يتم تحديثها أبدًا باعتبارها هياكل عفا عليها الزمن. ودعا الخبير إلى إجراء تحول متعمق في نظام الضمان الاجتماعي ودمج الآليات الاختيارية في إطار حوار اجتماعي منسق.
ديمقراطية الوصول من خلال القرب والتكيف
وأشار جميل ريحان إلى الهدف الأساسي للتأمين على الحياة: حماية الأشخاص وأسرهم من حوادث الحياة وفقدان الدخل والتبعية. وشدد على خصوصية معاملة الميراث: فعند الوفاة، تقع المبالغ المدفوعة للمستفيدين المعينين خارج إطار الخلافة القانونية، مما يوفر استجابة للتوترات العائلية حول الميراث.
حدد نائب المدير العام لشركة Hayett Assurances العقبة الرئيسية: صورة المنتج النخبوي المخصص للمهن الحرة والمديرين التنفيذيين ذوي الدخل المرتفع. ويولد هذا التصور فجوة اجتماعية بين أولئك الذين لديهم القدرة على الادخار وغيرهم. وبالتالي فإن هدف Hayett هو تعميم الوصول إلى التأمين على الحياة من خلال ثلاثة خطوط استراتيجية.
ويرتكز المحور الأول على تطوير حلول شخصية تستجيب لمختلف الحالات، سواء كانوا من العاملين لحسابهم الخاص أو الموظفين أو المتقاعدين. ويتعلق المحور الثاني بالشبكة الترابية وسهولة الولوج، بفضل شبكة التوزيع القائمة في المناطق. يمثل التأمين البنكي أداة استراتيجية تتيح الوصول إلى عملاء متنوعين ذوي خصائص غير متجانسة. تركز حياة أيضًا على التمويل الأصغر، وهو وسيلة للإدماج المالي للسكان المهمشين ذوي الدخل غير المنتظم، وخاصة العاملين لحسابهم الخاص.
ويتعلق المحور الثالث بوضوح العروض ووضوحها. تكرس Hayett استثمارات كبيرة لتدريب قنوات التوزيع الخاصة بها من أجل تقديم حلول واضحة وفعالة. تهدف الشركة إلى تغطية أكبر عدد ممكن من الأشخاص بخطط الحماية التي تتوافق مساهماتها مع الإمكانيات المالية للعملاء. وهي تولي اهتماما خاصا للتعليم من خلال منتجات مخصصة لتمويل الدراسات، مع إدراك التكلفة المتزايدة للتدريب في تونس وتوسيع الدورات في الخارج. ويشكل الابتكار ركيزة استراتيجية، على المستويين التكنولوجي والمنتجي، لتقريب الشركة من عملائها وتعزيز ثقة التونسيين في شركات التأمين الخاصة بهم.


