هناك قرارات، بعيداً عن المدرجات، تغير وجه العالم. وهكذا، فقد أعاد بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في لفتة جريئة ومحسوبة، فتح أبواب الفيضان من جديد. التيسير الكمي. أربعون مليار دولار شهرياً، خلقت من العدم، تذوب في شرايين السوق الأميركية مثل مصل حيوي يهدف إلى منع انهيار القلب الاقتصادي. إن بنك الاحتياطي الفيدرالي لا يكتب التاريخ، بل يصنعه بالمليارات، على افتراض أن المال أداة سياسية، وأداة للسلطة، وليس نصباً مقدساً للمعتقدات التقليدية.
في هذه الأثناء، ترتجف أوروبا على رصيف المحطة، مذعورة من فكرة كسر عقائدها. ويظل البنك المركزي الأوروبي بلا حراك، وأسيراً للتفسير العقائدي لقوانينه الأساسية، وكأن العملة لابد وأن تظل على مسافة من الإرادة البشرية. إن الهاوية آخذة في الاتساع: ففي الغرب، هناك زعماء يقبلون أن تمويل الاقتصاد يتطلب الجرأة والمسؤولية؛ في القارة القديمة، القادة الذين ما زالوا ينظرون إلى البنك المركزي باعتباره منظمة مشبوهة، ويجب أن تظل سلطتها مقيدة.
إن هذا التناقض بين ضفتي الأطلسي ينبئنا بما هو أكثر من مجرد اختلاف فني: فهو يكشف عن اختلاف في الحضارة الاقتصادية. وفي الولايات المتحدة، تمضي الدولة وبنكها المركزي قدماً خطوة بخطوة، مقتنعة بأن ضخ السيولة لا يشكل خيانة أخلاقية ولا خطراً وجودياً؛ بل وسيلة لضمان استمرارية الميثاق الوطني. وفي أوروبا، تؤدي مجرد فكرة قدرة البنك المركزي على دعم الإنفاق العام إلى إثارة حالة من الاحتقان بين النخب السياسية، والتجمد بين أخلاقيات مالية عفا عليها الزمن وفهم ضيق للاستقرار.
وفي أوروبا، تؤدي مجرد فكرة قدرة البنك المركزي على دعم الإنفاق العام إلى إثارة حالة من الاحتقان بين النخب السياسية، والتجمد بين أخلاقيات مالية عفا عليها الزمن وفهم ضيق للاستقرار.
ومن منظور تونس، يبدو أن هذا النقاش يدور في عالم آخر. ومع ذلك، فإن الأمر يهمنا أكثر من أي وقت مضى.
منذ عام 2011، مرت بلادنا بأزمات متتالية، وحكومات قصيرة العمر، ووعود بالإصلاح مؤجلة باستمرار. ففي حين دعم بنك الاحتياطي الفيدرالي النمو وحافظ على النشاط، وفي حين فتح البنك المركزي الأوروبي الطريق تدريجياً، على الرغم من إحجامه، أمام تدخلات غير مسبوقة، كان لزاماً على بنكنا المركزي أن يكافح في مرحلة أخرى: مرحلة التضخم المستورد، والعجز المزمن، والدينار المحاصر، والنظام المصرفي الذي يعاني من نقص رأس المال. وحيث تتمتع الاقتصادات الكبرى بهوامش نقدية سيادية، فإن تونس، التي لم تخرج إلا بالكاد من عقد من الاضطرابات، تجد نفسها حبيسة منطق دفاعي، وأنفها ملتصق بجدار الواقع.
مما لا شك فيه أن الأعوام 2010-2025 سوف تظل سنوات الفرص الضائعة: فلا التعافي المنسق ولا الرؤية الاستراتيجية؛ ولا يوجد إصلاح للإنفاق العام، ولا إصلاح شامل لتمويل الاقتصاد. وبينما كان آخرون يضخون مئات المليارات لدعم الأعمال التجارية والتوظيف والابتكار، كانت بلادنا تغرق في التقشف الضمني، والتحكيم المتردد، ونقص الاستثمار العام، وتجزئة الميزانية.
مما لا شك فيه أن الأعوام 2010-2025 سوف تظل سنوات الفرص الضائعة: فلا التعافي المنسق ولا الرؤية الاستراتيجية؛ ولا يوجد إصلاح للإنفاق العام، ولا إصلاح شامل لتمويل الاقتصاد.
إننا نراقب أوروبا بعين الانبهار، والحسد في كثير من الأحيان، والانزعاج في بعض الأحيان، ولكن يبدو أننا ننسى أن الاتحاد الأوروبي، على الرغم من حذره المفرط، يحشد أدوات لا نملكها حتى. نقاشنا الوطني غارق في بدائل مشوهة: هل يجب علينا تشديد الائتمان للحفاظ على الدينار أم تخفيفه لإنقاذ النمو؟ فهل يتعين علينا أن نعمل على خفض الإنفاق مع المجازفة بتقويض الطلب أو دعمه من خلال زيادة العجز الذي لا يمكن تحمله بالفعل؟
وفي حين تسمح الاقتصادات الناضجة لنفسها باستخدام نظامها النقدي باعتباره منفعة جماعية، فقد استسلمنا للقدر بسبب الافتقار إلى الرؤية. إن اعتمادنا على الخارج يحرمنا من مجال العمل. لكن هذا الاعتماد ليس حتميا. بل إنه في الواقع نتيجة لعقد من الحكم المتردد، والإصلاحات المهجورة، والعجز المستمر عن صياغة السياسات المالية والنقدية والصناعية في سرد متماسك.
نقاشنا الوطني غارق في بدائل مشوهة: هل يجب علينا تشديد الائتمان للحفاظ على الدينار أم تخفيفه لإنقاذ النمو؟ فهل يتعين علينا أن نعمل على خفض الإنفاق مع المجازفة بتقويض الطلب أو دعمه من خلال زيادة العجز الذي لا يمكن تحمله بالفعل؟
الدراما التونسية الحقيقية ليست فقط غياب المال، بل غياب الرغبة في خلقه بالمعنى الاقتصادي للكلمة: من خلال الاستثمار الإنتاجي والابتكار والارتقاء بقطاعات التصدير وإعادة هيكلة الدولة وثقة المواطنين والأسواق. إن بنك الاحتياطي الفيدرالي يتصرف لأن أميركا لا تزال تؤمن بمستقبلها. إن أوروبا تتردد لأنها تشك في نفسها. وتونس تتجمد لأنها لم تعد تعرف إلى أين تتجه.
الدراما التونسية الحقيقية لا تتمثل في غياب المال فحسب، بل في غياب الرغبة في خلقه بالمعنى الاقتصادي للكلمة: من خلال الاستثمار الإنتاجي والابتكار والارتقاء بقطاعات التصدير وإعادة هيكلة الدولة وثقة المواطنين والأسواق.
ولا يزال هناك وقت لاستعادة السيطرة. لكن الوقت لن ينتظر. وفي عالم حيث تقوم القوى بتمويل نفسها بجرأة لبناء الغد، فإن البقاء بلا حراك يعني اختيار الانحدار.
====================================================================
*دكتور. طاهر العلمي،
اقتصادي-مقياس الاقتصاد.
أستاذ-باحث سابق في ISG-TUNIS،
مديرية الأمن العام-مؤسس المعهد الأفريقي الاقتصاد المالي (IAEF-ONG)


