سياق دولي لا يزال غير مناسب للاقتصادات التي تعاني من قيود التمويل.
يبدأ عام 2026 ببيئة دولية تظل، على الرغم من بعض إشارات الاسترخاء، غير مواتية من الناحية الهيكلية للاقتصادات الناشئة التي تعتمد بشكل كبير على تدفقات رأس المال والواردات الاستراتيجية. ومن المؤكد أن البنوك المركزية الكبرى أبطأت وتيرة تشديد السياسة النقدية، ولكن أسعار الفائدة الرئيسية ظلت مرتفعة، مما أدى إلى ترسيخ الظروف المالية التقييدية على المدى الطويل.
ويشكل هذا التكوين استمرارا لنظام عالمي يتسم بزيادة انتقائية التمويل، والتقلب المستمر في تدفقات رأس المال، وزيادة دائمة في تكلفة الديون السيادية للبلدان ذات التصنيف الهش. وفي هذا السياق، تظل تونس معرضة لصدمة كامنة مزدوجة: صدمة أسعار الفائدة الدولية وصدمة الدولار، العملة المهيمنة في بورصات الطاقة وخدمة الدين الخارجي.
في تونس: السيولة المصرفية: توتر مزمن أصبح بنيويا
تؤكد المؤشرات النقدية ليوم 2 يناير 2026 أن توتر السيولة المصرفية لم يعد دوريا بل بنيويا. وبلغ الحجم الإجمالي لإعادة التمويل 11.36 مليار دينار، وهو مستوى مرتفع يوضح استمرار اعتماد النظام المصرفي على تدخل البنك المركزي التونسي.
وتبقى طلبات العروض الأسبوعية (5,3 مليار دينار) المصدر الرئيسي لإمدادات السوق، تكملها عمليات إعادة التمويل على المدى الطويل، خاصة تلك التي تستغرق ستة أشهر (2,22 مليار). ويعكس هذا النمط الصعوبة الدائمة التي تواجهها البنوك في تعبئة الموارد المستقلة، كنتيجة مباشرة لضعف المدخرات الطويلة الأجل، والمنافسة من جانب وزارة الخزانة في السوق المحلية وزيادة الحذر في منح الائتمان.
ويحد هذا الوضع ميكانيكيا من قدرة النظام المصرفي على الاضطلاع بدوره بشكل كامل في تمويل الاستثمار الإنتاجي، مما يعزز الحلقة المفرغة من تباطؤ النمو والاعتماد النقدي.
السياسة النقدية: توقف تكتيكي، وليس نقطة تحول استراتيجية
إن الحفاظ على سعر الفائدة الرئيسي عند 7,50% يؤكد أن البنك المركزي التونسي قد وصل إلى نقطة توازن دقيقة. ويعكس الانخفاض من مستوى 8% الذي لوحظ في عام 2025 اعترافا ضمنيا بالتباطؤ الاقتصادي، ولكنه لا يشكل بأي حال من الأحوال إشارة إلى التخفيف.
يظل سعر الفائدة في سوق المال، البالغ 7.46%، مرتبطًا بشكل صارم بالسعر الرئيسي، وهو دليل على الإدارة الفعالة لممر الأسعار والرقابة التشغيلية لسوق ما بين البنوك. ومع ذلك، فإن هذا الاستقرار هو نتيجة للإدارة الإدارية الجيدة أكثر من كونه نتيجة للتخفيف التلقائي للتوترات.
في الواقع، أصبحت السياسة النقدية التونسية الآن حبيسة معضلة ثلاثية تقييدية: دعم النشاط، والحفاظ على الدينار، واحتواء التضخم المتبقي. وفي ظل الوضع الحالي للأرصدة الخارجية، فإن أي تخفيف سابق لأوانه لأسعار الفائدة من شأنه أن يعرض العملة الوطنية واحتياطيات العملات الأجنبية على الفور.
المالية العامة: إعادة توازن التدفقات النقدية دون التوحيد الهيكلي
ويعكس التحسن في رصيد الحساب الجاري للخزينة، الذي وصل إلى 1.24 مليار دينار، تحسنا في إدارة النقد في نهاية العام، لكنه لا يمكن أن يخفي نقاط الضعف الكامنة في المالية العامة.
يكشف هيكل الدين عن تحول استراتيجي: التخفيض الهائل في سندات الخزانة قصيرة الأجل لصالح سندات الخزانة القابلة الاستيعابق يوضح الرغبة في تقليل مخاطر إعادة التمويل الفوري. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية تزيد من خدمة الدين على المدى المتوسط، في سياق معدلات الفائدة التي لا تزال مرتفعة.
وبعبارة أخرى، تم احتواء مخاطر السيولة جزئيا، ولكن مخاطر استدامة الموازنة تظل قائمة، خاصة وأن الهوامش الضريبية تظل محدودة وحساسة اجتماعيا.
القطاع الخارجي: تدفقات حقيقية قوية، ولكنها غير كافية لتخفيف القيود المفروضة على العملات الأجنبية
ولا يزال أداء السياحة وتحويلات التونسيين المقيمين بالخارج يلعب دورا مركزيا في استقرار الاقتصاد الكلي. ومع ما يقرب من 7.9 مليار دينار من عائدات السياحة و8.47 مليار دينار من دخل العمل، تشكل هذه التدفقات حاجزا أساسيا ضد العجز التجاري الهيكلي.
ومع ذلك، فإن هذه الديناميكية الإيجابية ليست كافية لعكس اتجاه صافي الأصول بالعملة الأجنبية، الذي انخفض إلى 106 أيام من الواردات. وهذا التآكل، رغم أنه تدريجي، يقلل من مجال المناورة أمام البنك المركزي التونسي ويعزز الاعتماد على سياسة نقدية تقييدية.
وبالتالي تظل تونس في وضع متناقض: تدفقات ديناميكية من العملات في قطاعات معينة، ولكن عدم القدرة الهيكلية على تحويل هذه التدفقات إلى تعزيز مستدام للاحتياطيات.
سعر الصرف: استقرار مُدار، وليس الحفاظ عليه ذاتيًا
ويؤكد تطور الدينار استقرارا نسبيا لكنه هش. ويعكس ارتفاع قيمة اليورو جزئيا التكوين الجغرافي للتدفقات، في حين يسلط انخفاض قيمة الدولار الضوء على الضعف المستمر في مواجهة الصدمات الخارجية.
ويعتمد هذا الاستقرار بشكل أقل على أساسيات قوية بقدر ما يعتمد على الفارق الكبير في أسعار الفائدة والإدارة النشطة للسيولة والمراجحة المستمرة من قبل البنك المركزي. ولذلك يظل مشروطا وقابلا للتراجع، لا سيما في حالة حدوث صدمة خارجية أو استرخاء الميزانية بشكل غير منضبط.
توقعات 2026: عام محوري بين الاستقرار الدفاعي وخطر التعثر
على المدى القصيرلكن الأولوية ستظل موجهة بشكل واضح نحو الحفاظ على التوازنات النقدية والخارجية، حتى لو كان ذلك يعني قبول نمو معتدل وتأخر انتعاش الاستثمار.
على المدى المتوسط، يشكل عام 2026 نقطة تحول. وإذا كان الاستقرار النقدي الحالي مصحوباً بإصلاحات ذات مصداقية ــ تحسين مناخ الأعمال، واستهداف الإنفاق العام بشكل أكثر فعالية، وإحياء الاستثمار الإنتاجي ــ فإن التخفيف التدريجي لأسعار الفائدة قد يصبح ممكناً.
وبخلاف ذلك، فإن تونس تخاطر بالاستقرار في نظام استقرار من دون نمو، حيث تعمل السياسة النقدية كآلية دفاع وليس كرافعة للتنمية.
=============================================================
مراجع:
(1) المصادر الرئيسية التي تم الرجوع إليها فيما يتعلق بالسياق الدولي: البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا (30 ديسمبر 2025)، وبيانات أسعار برنت / سوق النفط (30 ديسمبر 2025)، ومحضر اجتماع بنك الاحتياطي الفيدرالي / المواقف الأخيرة، وتحليلات رويترز حول رد فعل السوق على التوترات الإقليمية. (البنك الدولي)
(**)
=============================================================
*دكتور. طاهر العلمي،
اقتصادي-مقياس الاقتصاد.
أستاذ-باحث سابق في ISG-TUNIS،
مديرية الأمن العام-مؤسس المعهد الأفريقي
الاقتصاد المالي (IAEF-ONG)


