في يونيو 2026، الأكاديمية الفرنسية منحت جائزة ديان بوتييه-بويس المرموقة للتاريخ للدكتورة في الأدب المقارن (السوربون-باريس الرابعة)، مانيل بلحاج علي، عن عملها الرومانسية الفرنسية والنهضة العربية. الموروثات المتقاطعة (إصدارات UGA). نظرة إلى الوراء في مهنة رائعة والعمل.
تكافئ هذه الجائزة الأعمال المخصصة للعلاقات الفرنسية المصرية وتاريخ البحر الأبيض المتوسط، وهي تحيي التحقيق في لعبة المرايا غير المعروفة عبر البحر الأبيض المتوسط. في عمله الذي استهلته المؤرخة آن لور دوبون، يكشف مانيل بلحاج علي عن مصائر مذهلة: رواية عربية عبادة ولدت من اقتباس نص فرنسي من عام 1832، وقصيدة لامارتين “لو لاك” (1820) التي تردد صدى الشعر العربي الكلاسيكي، بسبب الترجمة الرائعة التي قام بها، من بين آخرين، الشاعر المصري إبراهيم ناجي، أو حتى إلى هرناني (1830)، مسرحية لفيكتور هوغو تم نقلها إلى بلاط أمراء قرطبة الأمويين. وهكذا يوضح المؤلف أن مترجمي النهضة المصريين والسوريين-اللبنانيين (عصر النهضة العربية، القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين) لم يتلقوا الرومانسية الفرنسية فحسب، بل أعادوا اختراعها. طريقة للنظر إلى الغرب من العالم العربي. هذا هو “الاستغراب”.
بالنسبة لمنال بلحاج علي، تعتبر هذه الجائزة اعترافًا قيمًا بالعمل المكرس للحوار بين الثقافات. كما أنه مصدر فخر كبير: تكريم تونس ضمن الأكاديمية الفرنسية، على أمل إلهام الباحثين التونسيين الآخرين لنشر أعمالهم والترويج لها على المستوى الدولي.
لا هيمنة ولا تقليد
من هذا البحث تبرز أطروحة مركزية: حوار الأنداد، وهو أساس السيادة الثقافية على نقيض الانسحاب الحمائي. بالنسبة لمنال بلحاج علي، الشرق والغرب لا يواجهان بعضهما البعض: بل يتقاطعان.
لقد ولد هذا البحث من رفض معارضة عالمين نعتقد أنهما غريبان، على الرغم من أنهما يشتركان في تاريخ عميق. وبعيدًا عن رؤية الرومانسية الفرنسية باعتبارها فضولًا غريبًا، فقد وجد مترجمو النهضة صدىً حميمًا فيها. ومن خلال تكييف هذه الأعمال وتعريبها، فقد ألقوا نظرة سيادية على الغرب، وحولوا ممارسة الترجمة إلى عمل إبداعي في حد ذاته.
رواية فرنسية أصبحت عربية أصيلة
وأبرز مثال على هذا التخصيص هو الرواية مجدولين. هذا النص هو في الواقع اقتباس لرواية فرنسية من القرن التاسع عشر، تحت أشجار الليمون (1832) بواسطة ألفونس كار. وتزداد المفارقة إثارة للدوار لأن محوله لم يكن يتحدث كلمة واحدة باللغة الفرنسية: فقد اعتمد على قصص صديقه محمد فؤاد كامل، قبل أن يعيد كتابتها بطريقته الخاصة. ومن هذه العملية ولد عمل مشبع بعمق بالثقافة المحلية لدرجة أن أجيال من القراء العرب نسيت أصله الفرنسي.
أدى هذا النجاح الهائل إلى تعديل الفيلم لمحمد كريم وبطولة محمد عبد الوهاب. على الشاشة، تفسح قرية ولباخ الألمانية المجال أمام منطقة المعادي بالقاهرة، وهو تحول جغرافي يوضح تمامًا هذه العملية البارعة للاستيعاب الثقافي.
هرناني يصبح حمدان
يدفع المسرح تحول النص الغربي إلى أبعد من ذلك إلى هرناني بواسطة فيكتور هوغو. وظهر طريقان: الطريق الأكثر حرفية للمترجم خليل مطران، والطريق الحر الحازم لنجيب الحداد، الذي ينقل المؤامرة من بلاط ملوك قشتالة إلى زمن عبد الرحمن، ليصبح هرناني همدان. المسرحية، التي قدمتها على وجه الخصوص فرقة الشيخ سلامة حجازي وفرقة سليمان قرداحي، بما في ذلك في تونس في بداية القرن العشرين، توضح، بالنسبة لمنال بلحاج علي، مدى التحولات التي تعرض لها المشهد العربي في النص الهغولي: إسبانيا في العصور الوسطى في عهد هوغو تفسح المجال أمام شرق يعيد صياغة القصة بالكامل.
لامارتين الذي أصبح عربيا
ولم يكن التأثير يتدفق في اتجاه واحد، وهذه هي النقطة الأكثر إثارة في التحقيق. وفي فصل بعنوان “البحث عن أصول اللامارتين العربية”، يحلل المؤلف مقالة لأحمد حسن الزيات نشرت عام 1935 بعنوان “هل اللامارتين عربي؟”. يشير هذا النص إلى دين أدبي للشاعر الفرنسي تجاه الشرق، وهو سعي للاستيلاء عليه نجده أيضًا في المناقشات حول الأصول العربية المفترضة لشكسبير.
بالنسبة لمنال بلحاج علي، فإن اختيار الرومانسيين الفرنسيين لا يدين بأي شيء للصدفة: فحساسيتهم تردد صدى النهضة، مثل شاعرية الآثار التي تمر عبر “البحيرة”. ولم ينظر إليه المترجمون كنص أجنبي، بل كعمل مرآة حقيقي. تعتمد المؤلفة في دراستها للشعر على ثلاث ترجمات لهذه القصيدة الرمزية: ترجمات إبراهيم ناجي وعلي محمود طه وأحمد حسن الزيات، والتي تستخدم الأوزان الغنائية للكامل أو الخفيف أو الرمل للحفاظ على موسيقاها.
إرث انتشر بالفعل في كلا الاتجاهين
لترسيخ هذا الحوار، يستذكر العمل أولاً رابطًا تاريخيًا تمت دراسته بالفعل ومعروفًا لدى المتخصصين: وهو ما يوحد الرومانسية الفرنسية في العصور الوسطى والشعر الإسباني المغربي. ومن ثم فإن هذا الارتباط المباشر بالشعر العربي يسبق النهضة بعدة قرون، في حين أن تأثير الأدب العالمي (Weltliteratur) (خاصة الألماني) يكمل هذه الصورة على الجانب الغربي.
وعلى الجانب العربي، تسلط الباحثة الضوء على معلمين رئيسيين يشكلان جوهر مشروع ما بعد الدكتوراه الذي نفذته في المركز الوطني للبحوث العلمية. فمن ناحية، ظهور الصحافة منذ عام 1828، بقيادة رفاعة الطهطاوي، رغم أن المؤلف يؤهل دورها كرائدة حصرية من خلال التذكير بنشاط المترجمين المقيمين في دمياط. ومن ناحية أخرى، شهد المشهد الدوري توسعا مذهلا في مطلع القرن العشرين: فقد ارتفع عدد المجلات العامة من 120 إلى 730. تركز منال بلحاج علي بشكل خاص على ديناميكية المجلات النسائية: فقد تم إنشاء ما يقرب من ثلاثين مجلة بين عام 1892 وفترة ما بين الحربين العالميتين. لا تزال هذه المجموعات مجهولة إلى حد كبير، وتشكل واحدة من أكثر المساهمات الأصلية في بحثه.


