تغيير الخريطة، ولكن لا يوجد مسار


وفي تونس، لا يزال الاستثمار متوقفا. ليس لغياب الإرادة السياسية أو الجهود التشريعية، بل لعجز مزمن عن تحويل الإصلاحات إلى إنجازات ملموسة.

وتوضح الفترة 2021-2025 هذه المفارقة بقسوة. وفي حين تبنت البلاد بنية مؤسسية غير مسبوقة، من المفترض أن تضع المواطن في قلب الخيارات الاقتصادية، فإن مؤشرات تنفيذ الميزانية والجاذبية الإقليمية لا تزال تكافح من أجل الانطلاق. وبين التخطيط الطموح والعقبات الهيكلية، تشير النتائج إلى فشل جزئي في التنفيذ، تعود جذوره إلى عقود من السياسات المركزية.

إعادة هيكلة الحكم المحلي

وفي محاولة لكسر أغلال الإدارة التي تعتبر شديدة المركزية، أجرت الدولة عملية إصلاح شاملة لبنيتها الإقليمية بين عامي 2021 و2025. وكان الطموح المعلن واضحا: تجاوز المنطق الإداري التقليدي لصالح منطق اقتصادي متكامل.

وكان النموذج الجديد يعتمد على مؤسسات جديدة. وتم إنشاء المجلس الوطني للأقاليم والمقاطعات (CNRD)، المسؤول عن التصديق على خطط التنمية وممارسة الرقابة الصارمة على الميزانية. وفي الوقت نفسه، تم إنشاء مجالس محلية وجهوية وإقليمية لتجسيد هذا الحكم المحلي الجديد.

تم إعادة تقسيم البلاد رسميًا إلى خمس مناطق اقتصادية كبيرة، مصممة لتكون مراكز للتكامل. وكان الهدف هو كسر التجزئة الإدارية لخلق أوجه تآزر منتجة.

واستكمل هذا النظام بتشجيع المقاولات المجتمعية بهدف ترسيخ التنمية في منطق التضامن والاقتصاد التشاركي.

وبصرف النظر عن فعالية هذا النهج الجديد، فإن الانتقال من النظرية إلى الممارسة اصطدم بحائط من الروتين البيروقراطي وسوء التنفيذ.

أرقام ساحقة

ولم يكن للإصلاحات التأثير المطلوب على أرض الواقع. إن أرقام الاستثمار الإجمالي خلال هذه الفترة تتحدث عن نفسها: فمن أصل المبلغ الإجمالي المبرمج البالغ 80.654 مليار دينار، تم صرف 49.387 مليار فقط، أي بنسبة إنجاز محبطة تبلغ 61.2%.

هذا العجز في التنفيذ، الذي يحرم الاقتصاد من نمو إضافي، يجد جذوره في ثلاثية من العلل المستمرة: العقبات البيروقراطية والبطء الإداري، والصعوبات في الوصول إلى التمويل لقادة المشاريع، والافتقار إلى المراقبة الصارمة والإدارة الاستراتيجية.

ولكن خلف هذا المتوسط ​​الوطني تكمن حقيقة أكثر تناقضاً، وتكشف عن انقسام إقليمي عميق من حيث الكفاءة.

فوارق إقليمية قوية

وتكشف البيانات عن فوارق إقليمية عميقة من حيث الجاذبية والفعالية في تحقيق المشاريع. أما المنطقة الثالثة (الشرق الأوسط والغرب) فتظهر أفضل الديناميكية الصناعية والسكنية بنسبة إنجاز 70.2% (14.281 مليار دينار منفذة من أصل 20.352 مليار دينار مبرمجة).

وسجلت المنطقة الخامسة (الجنوب الكبير) أعلى نسبة إعدام بلغت 73.4%، وإن كان بظرف إجمالي أقل (5.207 مليار دينار).

أما المنطقة الثانية (تونس الكبرى ونابل)، وهي المركز الاقتصادي الرئيسي، فقد استوعبت أكبر حجم مالي مطلق بقيمة 15.562 مليار دينار (نسبة تنفيذ 64.4%).

وسجلت المنطقة الأولى (شمال غرب) نسبة تنفيذ بلغت 52.7% (6.621 مليار دينار)، منددة بالصعوبات الهيكلية التي تعترض تحقيق استثماراتها.

وأخيرًا، حققت المنطقة الرابعة (الوسطى والغرب وصفاقس) الأداء الضعيف الأكثر إثارة للقلق حيث بلغت نسبة التنفيذ 46.8٪ فقط (7.713 مليار دينار من أصل أكثر من 16.468 مليار دينار مخطط لها)، مما يسلط الضوء على انسداد حاد في المشاريع العامة والخاصة في هذا المجال.

وتوضح هذه الملاحظة أن الخريطة الإقليمية الجديدة لم تكن كافية لتبسيط قنوات الاستثمار. ولا تزال المناطق الداخلية وشبه الداخلية تعاني من معوقات هيكلية كبيرة.

دولة البناء

وتشهد الاستثمارات العمومية المخططة بقيمة 35.163 مليار دينار معدل تنفيذ منخفض للغاية بنسبة 47.8%، حيث تم ضخ 16.814 مليار فقط فعليا.

وتستحوذ البنية التحتية الأساسية على 35% من الأموال العامة المتولدة، تليها مباشرة القطاعات الإنتاجية (32%) والقطاع الاجتماعي (18%).

ويتصدر قطاع التجهيز والإسكان بنسبة 29% من الإنجازات العمومية، يليه قطاع الفلاحة والموارد المائية (18%)، فالنقل (9.33%)، والبيئة (8.75%)، والتعليم (6.6%). أما قطاع الصحة فهو يعاني من ضعف مزمن بسبب تجميد وتأخر بناء العديد من المستشفيات الجهوية.

وتفوقت المنطقة الثانية على بقية البلاد من خلال الاستحواذ على أكبر حجم مالي من حيث القيمة المطلقة، مستفيدة من البنية التحتية الضخمة ومشاريع النقل الحضري المرتبطة بوضعها كعاصمة اقتصادية. من ناحية أخرى، سجلت المنطقتان الثالثة والخامسة أقل حجم من الاستثمارات العامة المنفذة في البلاد.

السباق من أجل ربحية مشغلي القطاع الخاص

وخلال نفس الفترة، ضخ القطاع الخاص 32.573 مليار دينار (71.6% من التوقعات)، لكن هذه الديناميكية تعاني من تركز مزدوج.

الأول جغرافي. ويفر رأس المال الخاص من المناطق الداخلية. وتتركز 67% من إجمالي الاستثمارات الخاصة حصريًا في المنطقة الثالثة والثانية، وذلك بسبب توفر البنية التحتية اللوجستية الحديثة والقوى العاملة الماهرة. علاوة على ذلك، وفي نفس المنطقة، تتجمع الاستثمارات بشكل كبير في الوفود الساحلية.

والثاني قطاعي. ويتخلى القطاع الخاص عن القطاعات الإنتاجية المعقدة ذات القيمة المضافة العالية. وتمثل العقارات وحدها 53% من الاستثمارات الخاصة، مدعومة بالتوسع الحضري الساحلي. ويستحوذ قطاع التصنيع على 22.2%، والخدمات والسياحة على 15.5%، بينما لا يحصد قطاع الزراعة الاستراتيجي سوى 9.3%.

نقاط الضعف البنيوية للنموذج التونسي

ومن المؤكد أن هذه الأرقام هي نتيجة لسياسات التنمية التي تم تنفيذها طوال العقود الأخيرة والتي فشلت في استقرار النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمناطق الداخلية.

وعلى الرغم من تعاقب برامج التنمية الإقليمية، ظل ترتيب المحافظات والتفويضات على مؤشر التنمية الإقليمية ثابتًا تقريبًا، مما يثبت عدم فعالية التدخلات المركزية التقليدية.

ويُعزى انخفاض جاذبية المناطق الداخلية إلى النسيج الصناعي الجنيني والاعتماد الحصري على زراعة الكفاف أو الأنشطة الاستخراجية ذات القيمة المضافة المنخفضة. ويعرض هذا الافتقار إلى التنويع هذه المناطق إلى درجة عالية من التعرض للصدمات المناخية وتقلبات السوق.

لقد ابتعد القطاع الخاص بشكل كبير عن الشمال الغربي (المنطقة الأولى) والوسط الغربي (المنطقة الرابعة)، مما أدى إلى تشويه في سوق العمل. ويؤدي هذا التركيز الساحلي للشركات المصدرة إلى نزوح جماعي مستمر من الريف ويحرم المناطق الداخلية من مواردها الحيوية.

وتسلط نتائج الفترة 2021-2025 الضوء على تناقض كبير. وبغض النظر عن الإطار التشريعي، فإن قنوات تقديم الخدمات المالية وقدرتها على جذب رأس المال الإنتاجي إلى المجالات ذات الأولوية لا تزال مغلقة. إن هيمنة المضاربة العقارية على الاستثمار الخاص وتركيز البنية التحتية العامة في تونس الكبرى يدلان على أن الانتقال إلى العدالة المكانية يتطلب أكثر من مجرد التقسيم الإقليمي. فهو يتطلب إعادة توجيه جذرية للحوافز المالية وإزالة البيروقراطية الحقيقية للعمل العام.

Scroll to Top