عندما تحكي الأرقام قصة أعمق من الإحصائيات


تعطي المؤشرات النقدية والمالية التي نشرها البنك المركزي التونسي في 3 يوليو 2026 صورة دولة تخرج تدريجيا من سنوات عديدة من الاضطرابات الشديدة. وتنحسر التوترات المتعلقة بالسيولة المصرفية. عائدات السياحة تتزايد. وتستمر التحويلات المالية من التونسيين المقيمين بالخارج في تغذية الاقتصاد. انخفضت تكلفة إعادة تمويل البنوك بشكل طفيف. ولا تزال احتياطيات العملات الأجنبية مريحة نسبيا.

ومع ذلك، وراء هذه التحسينات الاقتصادية تكمن حقيقة أكثر تعقيدا. تشبه تونس اليوم سفينة تمكنت من تجنب أعنف العواصف، لكنها لا تزال تبحر في بحر هائج، بطاقم منهك، وأشرعة مهترئة، ومسار يصعب تمييزه في بعض الأحيان. والواقع أن السؤال الأساسي يظل قائماً: هل نشهد انتعاشاً اقتصادياً حقيقياً أم مجرد مرحلة راحة مؤقتة؟

إن العالم يتغير وعلى تونس أن تجد مكانها

ولكي نفهم الوضع الحالي، يجب علينا أولا أن ننظر إلى ما هو أبعد من حدودنا. على مدى ثلاث سنوات، كان الاقتصاد العالمي يمر بفترة انتقالية تاريخية. وتشهد الولايات المتحدة تباطؤا بعد عدة سنوات من النمو المستدام. ولا تزال أوروبا تناضل من أجل استعادة ديناميتها الصناعية. ولم تعد الصين القاطرة التي كانت عليها في العقود السابقة. تستمر التوترات الجيوسياسية في إعادة تشكيل سلاسل الإنتاج العالمية.

إننا نشهد نهاية دورة اقتصادية وبداية أخرى. وبدأت البنوك المركزية الغربية، بعد أن شنت حرباً شرسة ضد التضخم، في تخفيف سياساتها النقدية تدريجياً. أسعار الفائدة تنخفض ببطء. تستعيد الأسواق المالية بعض الهدوء. بالنسبة لتونس، يمثل هذا التطور فرصة مهمة.

لعدة سنوات، كان على البلاد أن تواجه بيئة دولية معادية للغاية: ارتفاع أسعار الطاقة، التضخم العالمي، الزيادة في تكلفة التمويل الخارجي، التباطؤ الأوروبي. واليوم، بدأت بعض هذه الرياح المعاكسة تفقد قوتها تدريجياً. لكن التاريخ الاقتصادي يعلمنا درسا أساسيا: إن نوافذ الفرص لن تظل مفتوحة إلى الأبد.

البنك المركزي الذي يخفف قبضته تدريجياً

من أبرز الأحداث لهذا العام 2026 تكمن في تطور السياسة النقدية. ويبلغ سعر الفائدة الرئيسي للبنك المركزي الآن 7%، مقارنة بـ 7.5% في العام السابق. ووراء هذه النسبة التي تبدو غير ضارة يكمن تغيير كبير. لعدة سنوات، كان على البنك المركزي إعطاء الأولوية لمكافحة التضخم على حساب دعم النمو. وأصبح ارتفاع أسعار الفائدة ضرورة للحفاظ على استقرار الأسعار وحماية الدينار.

وساعدت هذه الاستراتيجية في تجنب المزيد من الاختلالات الخطيرة، ولكنها أثرت أيضا بشكل كبير على الاستثمار والائتمان والنشاط الاقتصادي. واليوم يبدو أن الوضع يتغير. ويبلغ سعر الفائدة في سوق المال 6.99%، وهو نفس مستوى سعر الفائدة الرئيسي تقريبًا. ويعكس هذا القرب سيولة أفضل للنظام المصرفي.

والأمر الأكثر دلالة هو أن الحجم الإجمالي لإعادة التمويل الذي منحه البنك المركزي انخفض إلى 10.5 مليار دينار مقارنة بـ 14.6 مليار في العام السابق. ويشكل هذا الانخفاض بأكثر من 4 مليارات دينار أحد أكثر المؤشرات المشجعة في الوقت الحالي. وهذا يعني أن البنوك التونسية تعتمد بشكل أقل من ذي قبل على المساعدة الدائمة من البنك المركزي. وبعبارة أخرى، بدأ النظام المصرفي تدريجيا في التنفس من تلقاء نفسه مرة أخرى. وللعودة إلى الصورة الطبية، فإن المريض لم يغادر المستشفى بعد، لكنه لم يعد يتلقى المساعدة التنفسية.

المفارقة التونسية: المزيد من السيولة، ولكن الاستثمار لا يزال ضئيلا

ومع ذلك، هناك سؤال جوهري يطرح نفسه. ولماذا لم يترجم هذا التحسن في الظروف النقدية بعد إلى تسارع قوي في الاستثمار الخاص؟ تكمن الإجابة فيما يسميه الاقتصاديون العوامل غير النقدية.

لا يستثمر رواد الأعمال التونسيون على أساس أسعار الفائدة فقط. إنهم يستثمرون عندما تكون لديهم الثقة في المستقبل، وعندما يرون الرؤية التنظيمية، وعندما يتوقعون ما يكفي من الطلب في المستقبل. ومع ذلك، وعلى الرغم من التقدم الملحوظ، فإن هذه الثقة لا تزال هشة. تواصل العديد من الشركات العمل في بيئة تتسم بعدم اليقين الإداري والضريبي والتنظيمي. وبالتالي فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه تونس لم يعد نقدياً فحسب. ويصبح مؤسسيا.

تداول النقد: مرآة الاقتصاد ذو السرعتين

لا شك أن المؤشر الأكثر روعة في الإحصائيات المنشورة يظل مؤشر الأوراق النقدية والعملات المتداولة. يتم تداول ما يقرب من 29.3 مليار دينار اليوم في شكل أوراق مالية مقارنة بـ 25 مليار فقط قبل عام. وهذه الزيادة التي تزيد عن 17% لافتة للنظر. ماذا تقول لنا؟ وهي تروي لنا قصة الاقتصاد التونسي الذي يواصل العمل إلى حد كبير بالنقد. وهي تخبرنا عن الأسواق والشركات والمعاملات غير الرسمية والأنشطة اليومية الصغيرة التي غالبًا ما تفلت من الدوائر المصرفية التقليدية.

وقبل كل شيء، يذكرنا أنه لا يزال هناك اقتصادان تونسيان. الأول مرئي، خاضع للضريبة، ومودع في البنوك. ويظل الخيار الثاني غير رسمي إلى حد كبير، وسائلا، ويصعب قياسه. ربما تشكل هذه الازدواجية إحدى العقبات الرئيسية أمام التنمية الاقتصادية الوطنية. لأن كل دينار يتم تداوله خارج النظام المصرفي هو دينار لا يمول لا الاستثمار ولا الابتكار ولا النمو المستقبلي.

التونسيون بالخارج: الأبطال الصامتون الحقيقيون للاقتصاد الوطني

من المستحيل تحليل الاقتصاد التونسي دون الإشارة إلى الدور الاستثنائي الذي يلعبه التونسيون المقيمون في الخارج. وفي نهاية يونيو 2026 بلغت تحويلاتهم 4.4 مليار دينار. وهذا الرقم يفوق بكثير إيرادات السياحة. كما أنها تتجاوز عدة قطاعات اقتصادية رئيسية مجتمعة. ووراء هذه المليارات تكمن قصص إنسانية. مهندس تونسي مقيم في مونتريال يساعد والديه في صفاقس. ممرضة تعيش في باريس وتدعم إخوتها وأخواتها في القيروان. رجل أعمال مقيم في ميلانو يقوم بتمويل دراسات أطفاله في الوطن.

كل عملية نقل تحكي قصة تضحية وارتباط وتضامن. لعدة عقود، لعب الجالية التونسية في الشتات دور ممتص الصدمات الاقتصادية والاجتماعية. وعندما يتباطأ الاقتصاد، فإنه يدعم الأسر. وعندما يندر النقد الأجنبي، فإن ذلك يعزز احتياطيات البلاد. عندما تمر المالية العامة بأوقات عصيبة، فإنها تساهم بشكل غير مباشر في استقرار النظام بأكمله. وغالباً ما يتم الاستهانة بهذه المساهمة على الرغم من أنها تشكل إحدى القوى الرئيسية لصمود الاقتصاد التونسي.

وتستعيد السياحة زخمها تدريجياً

أما الأخبار الجيدة الأخرى فتأتي من قطاع السياحة. وتصل الإيرادات التراكمية الآن إلى 3.35 مليار دينار. وبعيدا عن الأرقام، يعكس هذا التقدم عودة تدريجية للثقة الدولية في الوجهة التونسية. وفي فنادق جربة ومطاعم سيدي بوسعيد وبيوت الضيافة في الرأس الطيب أو المدن التاريخية، لوحظ نشاط أكثر استدامة لعدة أشهر. تظهر السياحة التونسية مرة أخرى مرونتها. ولكن هنا مرة أخرى، هناك حاجة إلى تفكير أعمق.

هل يمكننا بناء استراتيجية للتنمية المستدامة في قطاع يعتمد إلى حد كبير على المخاطر الجيوسياسية أو المناخية أو الأمنية؟ إن تجربة العقود الأخيرة تدعو إلى الحذر. ويجب أن تظل السياحة ركيزة أساسية. ولا يمكن أن تصبح القوة الدافعة الوحيدة.

احتياطيات العملات الأجنبية: تحسن لا يزال هشا

ويصل صافي الأصول بالعملة الأجنبية إلى ما يقارب 24.5 مليار دينار، أي ما يعادل 97 يوما من الواردات. ويظل المستوى مرضيا بشكل عام. ومع ذلك، وراء هذه الصلابة الظاهرة، لا تزال هناك عدة نقاط ضعف. تواصل تونس استيراد الطاقة بكميات كبيرة، وجزء كبير من الحبوب والعديد من المواد الخام الصناعية.

ولذلك تظل عرضة للتقلبات في الأسواق الدولية. ويعتمد الاستقرار الحالي إلى حد كبير على الأداء الجيد للسياحة، والتحويلات من المغتربين، والإدارة الحكيمة للأرصدة المالية. بمعنى آخر، الاحتياطيات كافية اليوم، لكنها لم تصبح بعد نتيجة تحول هيكلي للجهاز الإنتاجي.

ديون أقل إلحاحا، لكنها لا تزال موجودة

وتظهر خدمة الدين الخارجي تراجعا مذهلا مقارنة بالعام السابق. ويقدم هذا التحسن راحة كبيرة للمالية العامة. لكن الاقتصاد يشبه في بعض الأحيان أسرة حصلت على تأجيل مؤقت لمواعيد نهائية معينة. الإغاثة حقيقية.

وتبقى المشكلة الأساسية. الحل الحقيقي لا يكمن فقط في إدارة المواعيد النهائية. انها تكمن في خلق الثروة. لا يسدد الاقتصاد ديونه بشكل مستدام إلا عندما ينتج المزيد، ويصدر المزيد، ويكتسب حصة أكبر في السوق. وهنا يكمن التحدي الحقيقي لتونس.

تحدي العقد: تحويل الاستقرار إلى نمو

تكشف مؤشرات 3 يوليو 2026 عن واقع مشجع: يبدو أن تونس قد استعادت قدرًا معينًا من الاستقرار المالي. لكن الاستقرار ليس نموا. الاستقرار ليس التوظيف. الاستقرار ليس تنمية. إنه ببساطة يشكل الشرط المسبق لبناء المستقبل. وبالتالي فإن التحدي الذي يواجهنا في الأعوام المقبلة سوف يتمثل في تحويل هذا الهدوء المالي إلى نهضة اقتصادية حقيقية. ويتطلب هذا المزيد من الاستثمارات الإنتاجية، والتحديث الصناعي، والتكامل التكنولوجي الأفضل، وإدارة أكثر كفاءة، وزيادة تعبئة المهارات الوطنية.

لأن التاريخ الاقتصادي مليء بالبلدان التي تمكنت من تحقيق استقرار مواردها المالية دون أن تتمكن من الانطلاق على الإطلاق. كما أنها مليئة بالدول التي تمكنت من الاستفادة من فترة الراحة لبدء تحولات حاسمة.

وتونس تجد نفسها اليوم على مفترق طرق هذين المسارين.

أرقام يونيو 2026 لا تحكي بعد قصة النصر الاقتصادي. بل إنهم يروون قصة فرصة أعيد اكتشافها. فرصة هشة وثمينة وربما تاريخية. وكما هو الحال غالبا في تاريخ الأمم، ليست الإحصائيات هي التي ستقرر بقية القصة، بل القدرة الجماعية على تحويل هذا التحسن الاقتصادي إلى مشروع تنمية مستدامة. هذا هو المكان الذي يلعب فيه الشيء الرئيسي الآن.

=========

*دكتور. طاهر العلمي،

اقتصادي-مقياس الاقتصاد.

أستاذ-باحث سابق في ISG-TUNIS،

مديرية الأمن العام-مؤسس المعهد الأفريقي

الاقتصاد المالي (IAEF-ONG)

Scroll to Top