البنوك العمومية التونسية رافعة السيادة الرقمية


بينما تستعد خطة التنمية 2026-2030 لتقديمها إلى البرلمان، يجد النظام المالي التونسي نفسه في لحظة محورية في تاريخه الحديث. وبالنسبة للبنوك العامة، فإن التحدي الآن يتجاوز مجرد توحيد الأرصدة المحاسبية أو التحديث الفني لأدوات العمل. وينطوي هذا على إعادة تعريف دورها بنيويا في مشهد الاقتصاد الكلي سريع التغير، حيث تعمل السيادة الرقمية ــ التي تعرف بالسيطرة الاستراتيجية على البيانات وهياكل الذكاء الاصطناعي ــ على ترسيخ نفسها باعتبارها محور التنمية الوطنية.

وتؤكد مؤشرات الأداء للسنة المالية 2025 مرونة وصلابة القطاع المصرفي العام. ويظهر النمو المستدام في صافي الدخل المصرفي للعديد من المؤسسات المحلية الكبرى العودة إلى مستويات الربحية القوية، مما يؤكد دورها التاريخي كعوامل استقرار للنظام المالي الوطني.

ومع ذلك، فإن هذه الصحة المالية المستعادة يجب أن تكون الآن بمثابة نقطة انطلاق لتحول استراتيجي كبير. بحلول عام 2030، لم يعد من الممكن أن تقتصر مهمة البنوك العامة على الدعم التقليدي لأرصدة ميزانية الدولة. ويجب أن يتطور حتماً نحو دور المحفز المباشر للاقتصاد الحقيقي، مع استهداف نسيج الشركات الصغيرة والمتوسطة والاستثمار الإنتاجي كأولوية. ويتطلب هذا التحول الإداري الكبير استغلالاً علميًا وتفصيليًا للبيانات المالية، وهي الوحيدة القادرة على تحسين النتائج التنبؤية، وإبلاغ القرارات الائتمانية، والحد من عدم تناسق المعلومات الذي يعاقب لاعبينا الاقتصاديين.

من نظام المعلومات إلى الاستخبارات الاستراتيجية للدولة

تشكل مشاريع الرقمنة التي تم تنفيذها في السنوات الأخيرة – تحديث البنى المركزية (*الخدمات المصرفية الأساسية*)، وأمن تدفقات المدفوعات والامتثال التنظيمي – معالم فنية أساسية. ومع ذلك، فهي لا تمثل سوى مقدمة لتغيير أكثر عمقا.

إن الاستيعاب الضروري للديون التكنولوجية (الأنظمة القديمة) والزيادة الميكانيكية في تكاليف الاستثمار المصاحبة لا ينبغي لنا أن نفهمها على أنها تكاليف تشغيل متكبدة، بل كاستثمارات في السيادة. وفي غياب بنية تحتية مالية وطنية مستقلة وقوية وآمنة للغاية، هناك خطر حقيقي يتمثل في رؤية نظامنا المصرفي ينزل إلى مرتبة المستهلك البسيط الذي يعتمد على حلول خارجية، مع كل نقاط الضعف الاستراتيجية التي ينطوي عليها هذا.

إن تكامل الذكاء الاصطناعي وتقنيات *الخدمات المصرفية المفتوحة* يفتح المجال أمام منظور حاسم هنا. ويجب أن يعمل على تمكين الانتقال من نموذج المعاملات المصرفية البحت إلى نموذج تنبؤي وشامل، قادر على توقع المخاطر النظامية ودمج شرائح من السكان ظلت تاريخيا بعيدة عن الدائرة الرسمية.

رأس المال البشري، شرط لا غنى عنه لتحقيق المرونة الرقمية

ولا يمكن تحقيق أي مسار تكنولوجي دون وجود سياسة طموحة لرأس المال البشري. ويعمل القطاع المصرفي العام الآن في سوق مهارات معولمة، يتسم بهجرة الأدمغة والمنافسة الشرسة على الملفات الشخصية المؤهلة تأهيلا عاليا (علماء البيانات، وخبراء الإنترنت، ومهندسي الذكاء الاصطناعي).

وللحفاظ على هذه المواهب، لم تعد سياسة الرواتب وحدها كافية؛ ويكمن التحدي في قدرة المؤسسات العامة على اقتراح مشاريع تحمل معنى وسيادة وطنية. يعد دعم النظام البيئي للشركات الناشئة المبتكرة، وقابلية التشغيل البيني للمنصات، وحشد خبرات المغتربين، أدوات أساسية لبناء مجتمع من المهارات. وبهذا السعر، سيكون البنك العمومي التونسي قادرا على استكمال تحوله ليصبح “بنك منصة”، رشيقا، مترابطا وموجها نحو المستخدم.

نحو عقد تكنولوجي جديد لتونس

إن الاعتماد النهائي لخطة 2026-2030 من قبل مؤسسات الجمهورية يجب أن يمثل ظهور عقد ثقة جديد بين الدولة والهيئة التنظيمية والمواطن والمؤسسات المالية. وفي هذا التكوين الجديد، لم يعد التحول الرقمي هدفا تقنيا، بل أصبح الذراع القوية للمرونة الاقتصادية الوطنية.

وبحلول نهاية هذا العقد، لن يعد الأداء الإجمالي لأي بنك عام يُقاس بشكل حصري من خلال النمو الحسابي لحجم ميزانيته العمومية، بل من خلال مسار حوكمته الاستراتيجي. وسوف تعتمد شرعيتها على قدرتها على تأمين وتعزيز ووضع البيانات المالية في الخدمة الحصرية لتنمية البلاد. ولم تعد السيادة الرقمية خيارا للتواصل: بل هي الأساس لاستدامة النموذج المصرفي التونسي.

———————————

ملحوظة: التحليلات المعبر عنها تعكس تفكيرًا شخصيًا ومستقبليًا ولا تلزم المؤسسات التي يرتبط بها المؤلف.

Scroll to Top