بدعوة من فريد بلحاج، النائب السابق لرئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الذي تمت دعوته إلى منتدى L’Économiste Maghrébin، في نسخته السابعة والعشرين، قدم تحليلا واضحا للتحديات التونسية في مواجهة إعادة الهيكلة العالمية. وفي مواجهة هذه الأزمة، دعا إلى إعادة التفكير في السيادة حول أربع ركائز: الإنسان، والغذاء، والمالية، والطاقة التكنولوجية.
وحذر قائلا: “إننا نعيش في أزمة متعددة حيث لم تعد نقاط الضعف الاقتصادية والمناخية والطاقة والجيوسياسية تتبع بعضها البعض، بل تتراكم وتعزز بعضها البعض”. وأشار إلى الوباء والحرب في أوكرانيا والتوترات في البحر الأحمر، وشدد على أن “سعر الخبز في تونس يعتمد على القمح الأوكراني” وأن “الذكاء الاصطناعي يعيد بالفعل رسم التسلسل الهرمي الاقتصادي العالمي”.
وبحسب فريد بلحاج، لم تعد السيادة في القرن الحادي والعشرين مقتصرة على الاستقلال السياسي. وهي تتألف من “تنظيم الاعتماد المتبادل بذكاء، والحد من نقاط الضعف الحرجة والحفاظ على القدرة على الصمود”. وأشار إلى أن تونس تحتفل هذا العام بمرور 70 عاما على استقلالها. ورغم أن هذه العقود مكنت من تحقيق تقدم حقيقي في مجالات التعليم والصحة وبناء رأس المال البشري الجيد، إلا أنها لم تكن كافية لبناء نموذج اقتصادي قادر على الصمود.
وأصر نائب رئيس البنك الدولي السابق على حقيقة أن التوازنات الضمنية التي قام عليها النموذج التونسي – الطاقة التي يمكن الوصول إليها، والعولمة المستقرة، ودولة إعادة التوزيع – قد تصدعت الآن. وقال: “إن العالم يتغير بسرعة كبيرة بحيث لا يمكننا الاستمرار في التفكير باستخدام أدوات الثمانينيات أو العقد الأول من القرن الحادي والعشرين”.
وأصر بشكل خاص على الجغرافيا السياسية الجديدة للشبكات. ووفقا له، يمكن لتونس، الواقعة في قلب مضيق صقلية، أن تصبح نقطة ربط استراتيجية بين أوروبا وإفريقيا والبحر الأبيض المتوسط. ويوضح مشروع الربط الكهربائي مع إيطاليا هذه الفرصة: «غدًا، ستكون للكابلات الكهربائية أهمية استراتيجية تضاهي أهمية خطوط الأنابيب بالأمس. »
وينطبق نفس المنطق على الزراعة والمياه. وفي مواجهة الإجهاد المائي، يصر فريد بلحاج على السيادة الغذائية على أساس المرونة بدلا من الاكتفاء الذاتي: الري الذكي، وتحديث سلاسل القيمة، ورفع مستوى الصادرات.
وفيما يتعلق برأس المال البشري، أشار إلى مفارقة مؤلمة: “نحن ندرب المواهب الرائعة ثم نفقدها. وتتجاوز البطالة بين الخريجين الشباب في بعض الأحيان 35%. وتدريب المهندسين والمتخصصين في مجال الطاقة أو الذكاء الاصطناعي دون تقديم آفاق لهم يمول بشكل غير مباشر القدرة التنافسية لدول أخرى”.
وأخيرا، على المستوى المالي، حذر من تجاوز الدين العام 80% من الناتج المحلي الإجمالي، وفاتورة الأجور العامة من بين الأعلى في العالم. وشدد على أن “الأمة المثقلة بالديون تشهد انخفاض هوامش صنع القرار لديها. ومن ثم يصبح الدين مسألة سيادة”.
بالنسبة لفريد بلحاج، يبقى السؤال المركزي كما هو: هل تريد تونس ببساطة أن تشاهد تدفقات الطاقة والتدفقات الرقمية واللوجستية في القرن الحادي والعشرين تمر، أم أن تصبح نقطة ربط حقيقية في البحر الأبيض المتوسط؟ وخلص إلى أن الجواب سيحدد طبيعة السيادة التونسية بحلول عام 2056.
وفي الختام: “إن الدول التي ستنجح في العالم القادم لن تكون بالضرورة الأغنى بالموارد الطبيعية، ولا الأكثر سكانًا. بل ستكون تلك الدول التي تعرف كيف تنظم بذكاء بنيتها التحتية وتدفقاتها ومواهبها وشبكاتها وقدرتها على التكيف. بعد 70 عامًا من الاستقلال، ربما تدخل تونس مرحلة جديدة في تاريخها: مرحلة لن تقاس فيها السيادة الحقيقية برمز الدولة فحسب، بل بقدرة البلاد على الإنتاج والابتكار والتواصل والتحويل”. وطرح رؤيتها الخاصة للمستقبل.


