“الزيادة بنسبة 5% لن تمتص سوى جزء صغير من التضخم اليومي”


في تصريح لصحيفة L’Économiste Maghrébin، قدم ناصر حشاني، المحاسب القانوني والشريك في i2h Consulting، ملاحظة محسوبة ولكن لا هوادة فيها. وقد اختارت الحكومة مساراً يمكن التنبؤ به لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، مع زيادة الأجور الاسمية بنسبة 5% سنوياً على مدى ثلاث سنوات. لكن آلية التعويض هذه لا يمكنها أن تخفي حقيقة أكثر تعقيدا: إذا زادت الدخول الاسمية، فإن القوة الشرائية الحقيقية للتونسيين تستمر في التدهور. بين هشاشة الشركات الصغيرة والمتوسطة، والضغوط التضخمية المتعددة والقدرة التنافسية التصديرية التي تم اختبارها بشدة، يقدم الخبير قراءة لا هوادة فيها للوضع الاقتصادي.

ويصف المحاسب اقتصاداً منخرطاً في مرحلة من الاستقرار الهش، لا في أزمة مفتوحة ولا في حالة انتعاش حقيقي. ويشير إلى بعض الإشارات الإيجابية، بدءاً بتراجع التضخم من ذروته البالغة 7% عام 2024 إلى نحو 5.5%، بمتوسط ​​5.3% خلال عام 2025. ولا يزال النمو الاقتصادي إيجابياً، لكن توقعات صندوق النقد الدوليوالذي يعتبره الأكثر حكمة، حدده عند 2.1%، وهو أقل بكثير من 3.3% المدرجة في فرضيات ميزانية الدولة. وتعكس هذه الفجوة، حسب قوله، حالة من عدم اليقين الهيكلي: فالبلاد لا تحقق المستوى المتوقع من النمو.

ومع ذلك، فإن تونس تمتلك أصولا حقيقية، كما يتذكر ناصر حشاني: الطاقات المتجددة، والتكنولوجيات العالية، والشركات الناشئة ذات القيمة المضافة العالية، والتي ميز بعضها نفسه على المستوى الدولي وتشكل نماذج يمكن الاعتماد عليها. لكن البلاد لا تزال تفتقر إلى محركات النمو القوية والمستدامة بالقدر الكافي.

ويقول الخبير إن الاقتصاد التونسي يعمل بسرعتين. تظهر الشركات الكبيرة نتائج إيجابية وأرصدة مالية قوية. ومن ناحية أخرى، تجد الشركات الصغيرة والمتوسطة نفسها هشة بشكل متزايد بسبب الضغوط المتراكمة: التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار النفط وتكاليف النقل، وندرة المواد الخام. وهذه العوامل مجتمعة تعرضهم لصعوبات مالية متزايدة الأهمية.

زيادات الرواتب التي تعوض دون إصلاح حقيقي

إنها ليست زيادة في الرخاء، بل زيادة في التعويضات، كما يقول ناصر حشاني. ويرى الخبير أن ذلك في المقام الأول محاولة للتعويض، جزئيًا على الأقل، عن عدة سنوات من التضخم المتراكم واستعادة جزء من القوة الشرائية المتآكلة بالفعل.

وقد اعتمدت الدولة مساراً واضحاً: زيادة اسمية سنوية بنسبة 5% على مدى ثلاث سنوات، تنطبق على جميع الموظفين وموظفي الخدمة المدنية والقطاع الخاص، سواء كانوا مشمولين باتفاق قطاعي أم لا. ومع ذلك، فهو يرغب في التأكيد على نقطة فنية مهمة: لا تنطبق نسبة الـ 5% هذه كل عام على أساس ثابت، ولكن على الراتب الذي تمت زيادته بالفعل في العام السابق. وبالتالي فإن المجموع على مدار ثلاث سنوات ليس 15%، بل 15.76% من حيث القيمة التراكمية، وهو فارق بسيط يعتبره ضروريًا لكل من أصحاب العمل والموظفين لقياس المدى الحقيقي للتدبير بشكل صحيح.

زيادة 5% مقابل 8% تضخم أسعار الغذاء: المعادلة المستحيلة

فإذا كان معدل إعادة التقييم 5%، فإن معدل التضخم الإجمالي يبلغ 5.5%، وهي فجوة غير مواتية بالفعل. لكن ناصر حشاني يؤكد أن التحليل يجب أن يذهب أبعد من ذلك: يصل معدل تضخم أسعار الغذاء إلى 8.2%، وهذا البند بالتحديد هو الذي يثقل كاهل ميزانيات الأسر الأكثر تواضعا. تظهر الملابس تضخمًا بنسبة 9.3٪. ومن خلال مزيد من التفصيل لبيانات الأغذية، لاحظ الخبير زيادات بنسبة 16% للدواجن، و19% للفواكه، و13.5% للخضروات. وفي هذا السياق، فإن الزيادة البالغة 5% لن تستوعب سوى جزء صغير من التضخم اليومي ولن تكون كافية لتغطية واقع تكاليف المعيشة للمواطن التونسي العادي.

ويدرك ناصر حشاني الميزة الحقيقية للنظام المعتمد: حيث تتيح إمكانية التنبؤ به للشركات محاكاة مسارها المالي على مدى ثلاث سنوات وتحديد مجال للمناورة بشأن بنود التكلفة الأخرى. لكنه يوضح أن التأثير يختلف بشكل كبير اعتمادًا على حجم كل شركة ونموذجها الاقتصادي.

وبالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة المصدرة، فإن الوضع مثير للقلق بشكل خاص. وتؤدي الزيادة التراكمية بنسبة 15.65% في فاتورة الأجور على مدى ثلاث سنوات إلى تفاقم سلسلة من الضغوط الثقيلة بالفعل: تضاعف سعر برميل النفط في بضعة أشهر، وارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين بشكل حاد تحت تأثير التوترات الجيوسياسية، وندرة المواد الخام، وزيادة الضرائب بسبب الزيادة الأخيرة في معدل القانون العام. ويعتقد الخبير أن هذا المزيج من العوامل يؤثر بشكل كبير على قدرتها التنافسية التصديرية.

إن وضع الشركات الصغيرة والمتوسطة الموجهة نحو السوق المحلية هو أكثر إثارة للقلق، كما يرى المحاسب، إلى حد أنها تعمل وفق نماذج ذات قيمة مضافة منخفضة، دون إمكانية التعويض من خلال التوسع الدولي. وفي مواجهة ارتفاع تكاليف الأجور وضيق السوق الداخلية، لن يكون أمام هذه الشركات خيار سوى خفض تكاليفها. ولذلك يتوقع ناصر حشاني تجميد التوظيف وارتفاع معدلات البطالة وزيادة استخدام العمل غير الرسمي.

43 ديناراً إضافية شهرياً: زيادة ستستوعبها الحياة اليومية بسرعة

ومن حيث الدخل الاسمي، فإن التأثير إيجابي: حيث يزداد الراتب المعروض على قسيمة الراتب. ولكن من حيث القوة الشرائية الحقيقية، فإن التأثير يظل محدودا. ويوضح المحاسب وجهة نظره بمثال ملموس: الموظف الذي يكسب 1000 دينار في عام 2025 سيحصل على ما يقرب من 1043 دينارا في عام 2026، أي 43 دينارا إضافيا شهريا، وهو مبلغ يظل تأثيره على السلة اليومية هامشيا للغاية. كما بدأت الضغوط التضخمية المستوردة، المرتبطة بشكل خاص بارتفاع أسعار النفط، في الظهور وستزداد في الأشهر المقبلة.

Scroll to Top