1 مايو 2026: الاتحاد العام التونسي للشغل في فجر دورة جديدة


وهناك ما نسميه استمرارية الحركة النقابية. في 1 مايو 2026، هذه هي السنة الأولى التي من المتوقع أن يتحدث فيها الأمين العام الجديد للاتحاد العام التونسي للشغل أمام حشد من الأعضاء. فهل يرقى إلى مستوى إرث الحركة النقابية التي أسسها فرحات حشاد؟

تحت الشعارات المعروفة مثل “نفديك يا الاتحاد العام التونسي للشغل”، “الحرية والكرامة والتشغيل” – هذه الصيحات الشهيرة ليوم 14 يناير 2011 – نلاحظ اليوم غياب حسين عباسي ونور الدين الطبوبي. وهناك ما نسميه استمرارية الحركة النقابية. مرحلة جديدة تفتح.

مرحلة جديدة من الحوار والمصالحة

احتفل صلاح الدين سلمي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، باليوم العالمي للعمال هذه السنة باعتباره إيذانا بفترة جديدة للعمل النقابي التونسي. وأمام العمال والمنظمات النقابية، ذكر خلال كلمته أن هذا اليوم يعود مع بداية الأسابيع الأولى للولاية المنتخبة في المؤتمر الوطني السادس والعشرين المنعقد بالمنستير أيام 25 و26 و27 مارس 2026.

«صفحة المصالحة» في العمل النقابي

وشدد على ضرورة إنشاء “صفحة مصالحة” داخل الاتحاد العام التونسي للشغل، على النحو الذي أوصت به القرارات الداخلية للمؤتمر الأخير. وأكد أن هذه المصالحة يجب أن تكون شاملة، دون إقصاء أو تهميش، ويجب أن تقوم على الإخلاص لمبادئ المنظمة وقيمها التاريخية. وأكد أن هذه الخطوة تهدف إلى طي صفحة الانقسامات الداخلية والحسابات النقابوية، من أجل إعادة التلاحم بين الأجيال النقابية وبين هياكل الاتحاد وقواعده.

وبالعودة إلى تاريخ النضال العمالي، أشار إلى أن عيد العمال يعود أصوله إلى تمرد عمال شيكاغو عام 1886، الذين دافعوا عن حقهم في حياة كريمة ورسموا الطريق نحو الحرية والتضامن الدولي.

وعلى هذا المنوال، طالب الاتحاد العام التونسي للشغل بتراثه الوطني، تكريما لشهداء النضال النقابي والاجتماعي في تونس، منذ 1978 إلى ثورة 2010-2011، وكذلك لضحايا الإرهاب والجريمة المنظمة، بمن فيهم شكري بلعيد ومحمد البراهمي، فضلا عن قوات الأمن والمواطنين الذين سقطوا خلال الأزمات الأمنية.

وسلط صلاح الدين سلمي الضوء على دور الاتحاد العام التونسي للشغل في التوسط في الرباعية للحوار الوطني، مما ساهم في تجنب تصعيد الصراعات والحفاظ على الاستقرار بعد 2011. وأشار إلى أن هذا النجاح تم الاعتراف به من خلال منح جائزة نوبل للسلام سنة 2015 بالإضافة إلى العديد من الأوسمة الدولية. لكنه أقر بأن الفترة شهدت تجاوزات واشتباكات داخلية أضعفت صورة مصداقية التنظيم وأضعفت قدرته على العمل.

الضغط على العمل النقابي وانتهاكات الحقوق

وندد الأمين العام الجديد بمجموعة الضغوط التي أثرت على الحركة النقابية في السنوات الأخيرة. وأشار على وجه الخصوص إلى عدم الالتزام بالاتفاقيات الموقعة، والاعتداء على الحقوق النقابية، وخمود لجان المصالحة المركزية والجهوية، وقمع عمليات التسريح وسحب الإجازات المرتبطة بالأنشطة النقابية، بما فيها تلك المتعلقة بالمؤتمرات، فضلا عن رفض التفاوض مع السلطات الرقابية وفي المؤسسات، مما أدى إلى فصل وعقوبات في حق العديد من الناشطين النقابيين.

وأخيراً، أشار إلى فقدان “المرونة الداخلية” للاتحاد العام التونسي للشغل، بسبب الافتقار إلى رؤية استراتيجية واضحة وسوء إدارة موارده وعلاقاته الداخلية ومع السلطة التنفيذية.

مطلب الشراكة الاجتماعية، وليس السلطة السياسية

وشدد السالمي على أن الاتحاد العام التونسي للشغل لم يسعى قط إلى ممارسة السلطة السياسية أو ترسيخ نفسه كعنصر فاعل في الحكم. وأكد أن دور النقابة هو الدفاع عن مصالح العمال والقيام بدور الشريك الاجتماعي في إطار الدستور والقوانين. وأكد أن المنظمة ترفض أي محاولة لاستبعادها من إدارة القضايا الاجتماعية والاقتصادية، وتؤكد حقها في التعبير عن نفسها في كافة السياسات التي لها تأثير على القدرة الشرائية والتشغيل والحماية الاجتماعية.

تحليل الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية

ورسم الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل صورة قاتمة لوضع العمال والمتقاعدين، الذي اتسم بارتفاع سريع في تكاليف المعيشة، وتدهور قدرتهم الشرائية واتساع نطاق الهشاشة حتى داخل الطبقة الوسطى. وسلط الضوء على تفاقم البطالة، خاصة بين الخريجين الشباب، فضلا عن هروب المديرين التنفيذيين إلى الخارج.

وفي الوقت نفسه، أشار إلى الاضطرابات الجيوسياسية العالمية والحروب والصراعات التي تبشر بإعادة تشكيل النظام الدولي، فضلا عن الثورة الرقمية التي تعطل علاقات العمل وتستدعي استجابة جماعية منظمة.

شروط النمو المستدام والاجتماعي

ويرى الأمين العام الجديد أن نهاية الأزمة لن تأتي إلا من خلال تجديد الحوار الاجتماعي، الذي يضع دور الدولة الاجتماعية في قلب النقاش، ويجعل من الممكن بناء إطار لإصلاحات عادلة وعاجلة ومنصفة. وشدد على ضرورة إيجاد مناخ يفضي إلى التنمية المستدامة والعمل اللائق، حيث لا مكان للتهرب الضريبي أو الأشكال غير النمطية من العمل غير القانوني، الذي يعززه اليوم الاقتصاد غير الرسمي والمنصات الرقمية.

ووفقا له، تعد العدالة الاجتماعية والشفافية والمساءلة وسيادة القانون شروطا أساسية للنمو الذي يعود بالنفع على الجميع.

الحوار الاجتماعي والضمان الاجتماعي والخدمات العامة في الأزمات

وذكر الأمين العام أن تونس تميزت في السنوات الأخيرة بلجوئها المنتظم إلى الحوار الاجتماعي، مما ساهم في استقرارها وتوازن مكوناتها الرئيسية.

وأكد مجددا تمسك الاتحاد العام التونسي للشغل بالمجلس الوطني للحوار الاجتماعي وغيره من الهياكل التي تشرف على التفاوض والتشاور على مستوى الشركات العامة والخاصة. كما أبرز الصعوبات العميقة التي يواجهها نظام الضمان الاجتماعي، داعيا إلى تنفيذ حلول إنقاذية، وأعرب عن رغبة الاتحاد العام التونسي للشغل في تقديم مساهمته في إنعاش الشركات العمومية.

وفي الوقت نفسه، أعرب السالمي عن أسفه لتدهور الخدمات العمومية، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم، وهو التدهور الذي استغله القطاع الخاص لإذكاء منطق الإثراء على حساب الأهداف الاجتماعية. وذكر أمثلة بارزة، مثل الظروف غير المستقرة للمدارس والكليات، والمآسي التي يعيشها الطلاب في بعض المناطق، وحوادث النقل التي يتعرض لها العمال الزراعيون، فضلا عن الأعطال في المستشفيات وعواقب الانبعاثات السامة في مناطق مثل قابس.

نقد مستهدف لرأس المال ودعوة للمسؤولية الوطنية

وأوضح أن الاتحاد العام التونسي للشغل لا يقف ضد رأس المال في حد ذاته، بل ضد “رأس المال الطفيلي” والمضارب والمتهرب من الالتزامات القانونية. وهاجم دوائر الفساد والهروب، منددا بمن يستغلون أوضاع “البقرة الحلوب” ويتنافسون بوسائل غير متوافقة مع رأس المال الإنتاجي الوطني الذي يستحق الدعم والاعتراف بدوره في خلق الثروة والتنمية.

وأكد صلاح الدين سلمي أن المطالبة بالمسؤولية الاجتماعية لرأس المال والمطالبة بالامتثال للقوانين والدعوة إلى وضع حد لمنطق الريع والزبونية وتشجيع المبادرة لا تشكل تدخلا بل واجب تضامن وطني. وأضاف أن هذا المطلب يندرج في إطار الشراكة القائمة على المساءلة والشفافية وسيادة القانون.

الصراع في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية

وفي جانبه الدولي، يدين الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل الأزمات المفتوحة في المنطقة العربية، ولا سيما الحملة القاتلة التي تشن ضد الشعب الفلسطيني، والتي وصفها بـ”الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الممنهج”. يعتقد سلمي أن الإدانة الدولية للنظام الإسرائيلي تزداد حدة، مع تزايد ديناميكية التضامن في أوروبا وكندا وإسبانيا وتركيا وكوريا، وحتى في بعض دول أوروبا الشرقية.

وأكد الاتحاد العام التونسي للشغل دعمه للمقاومة الفلسطينية، ويدين في الوقت نفسه الاعتداءات على لبنان والتهديدات الحربية التي تطلقها القوى الأميركية والإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي يعتبرها مخالفة للقانون الدولي.

وفي الختام، يدعو الأمين العام إلى التضامن الدولي للعمال والشعوب ضد الاضطهاد والهيمنة، وأكد مجددا تمسك الاتحاد العام التونسي للشغل باستقلاله وحرية تكوين الجمعيات ودوره كحصن ديمقراطي.

Scroll to Top