ورغم أن مؤشرات الاقتصاد الكلي تظل في قلب تقييم السياسات العامة، فإن نهجاً جديداً بدأ يكتسب المزيد من الأرض: ألا وهو اقتصاد الرفاهية.
في تصريح خاص لصحيفة L’Économiste Maghrébinتؤكد نادية زريلي، الخبيرة الاقتصادية ونائبة رئيس جمعية الاقتصاد الشامل لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أنه لم يعد من الممكن قياس تقدم أي بلد من خلال ناتجه المحلي الإجمالي أو معدل نموه أو مستوى التضخم فيه فقط. ووفقا لها، فإن التحدي الآن هو تجاوز مؤشرات الاقتصاد الكلي لفهم كيف يعيش المواطنون حقا، وكيف ينظرون إلى مستقبلهم وكيف يقيمون نوعية حياتهم.
يظل الناتج المحلي الإجمالي والنمو والتضخم وحتى معدل الفقر هي المراجع التقليدية لقياس الأداء الاقتصادي لأي بلد. إلا أن هذه المؤشرات لم تعد كافية لتعكس الرفاهية الحقيقية للسكان. وهذه إحدى النتائج الرئيسية للتحليل الذي أعدته نادية زريلي، التي ترى أن المؤشرات النقدية لا تعكس سوى جزء من الواقع الاجتماعي.
ووفقا لها، فإن الرفاهية هي مفهوم متعدد الأبعاد يجمع بين العناصر الموضوعية، مثل الدخل والحصول على الخدمات أو الظروف المعيشية، وأبعاد أكثر ذاتية مرتبطة بالمشاعر الفردية والشعور بالأمان والثقة أو حتى الروابط الاجتماعية. من الممكن أن يساعد الأداء الاقتصادي في تحسين الرفاهية، ولكنه لا يفسر في حد ذاته مستوى رضا السكان.
ويشير هذا الحد بشكل مباشر إلى مفارقة إيسترلين الشهيرة، والتي بموجبها لا تؤدي الزيادة في الثروة الجماعية تلقائيا إلى زيادة سعادة السكان. يتذكر الخبير الاقتصادي أن عدة عقود من السياسات العامة التي ركزت بشكل أساسي على النمو أظهرت حدودها: يمكن لأي بلد أن يسجل أداء اقتصادي أفضل دون أن يشعر مواطنوه بالضرورة بتحسن في حياتهم اليومية.
أول مقياس للرفاهية التونسية: قراءة جديدة للمجتمع
ومن أجل فهم أفضل لمحددات الرفاهية في تونس، أطلقت نادية زريلي، من خلال جمعية الاقتصاد العالمي الشامل، أول مقياس تونسي للرفاهية الفردية. يهدف هذا الاستطلاع، الذي تم إجراؤه بين الفئات السكانية المستهدفة، ولا سيما طلاب الجيل Z من جامعة قرطاج ورائدات الأعمال بالتعاون مع الغرفة الوطنية لسيدات الأعمال، إلى سد النقص الكبير في بيانات الاقتصاد الجزئي حول هذا الموضوع.
وتؤكد الإيكونوميست أنه حتى الآن، كانت لدى تونس بشكل أساسي مؤشرات اقتصادية كلية أو إقليمية، لكن القليل جدًا من المعلومات يسمح لنا بفهم العوامل التي تؤثر بشكل مباشر على سعادة الأفراد ورضاهم.
وقد ألقت النتائج مع طلاب الجيل Z ضوءًا كاشفًا بشكل خاص. وعلى النقيض من القراءة الاقتصادية الصارمة للرفاهية، لا يبدو أن المال هو المحدد الرئيسي لرضاهم. العامل المهيمن هو الأسرة والدعم الاجتماعي والشعور بالانتماء.
ووفقا لنادية زريلي، فإن هذا الجيل يعلق أهمية كبيرة على التوازن بين العمل والحياة. الشباب الذين تمت مقابلتهم لا يريدون زيادة دخلهم إلى الحد الأقصى فحسب، بل يبحثون عن توازن عام يسمح لهم بالحفاظ على نوعية حياتهم. ويأتي المال والثروة في المرتبة الثالثة، ولكن مع بعد ثقافي خاص، لا سيما الرغبة في النجاح مع البقاء متوافقين مع قيمهم.
وتسلط الدراسة الضوء أيضًا على السمات المختلفة بين رائدات الأعمال. تظهر المديرات اللاتي لديهن أعمال تجارية منذ عدة سنوات مستوى أعلى من الرفاهية، مدفوعًا بالخبرة والاستقرار والشعور بالإنجاز. وعلى العكس من ذلك، يواجه رواد الأعمال الشباب أو أولئك الذين يديرون هياكل فردية أو عائلية صغيرة المزيد من التوتر وعدم اليقين. ويعتمد مستوى رضاهم بشكل كبير على قدرتهم على التغلب على العقبات المرتبطة بتنمية نشاطهم.
ويؤثر الدعم الاجتماعي على الرفاهية بقدر تأثير الناتج المحلي الإجمالي تقريبا
وتؤكد البيانات الدولية هذه النظرة الأوسع للتقدم. ووفقا لتحليل نادية زريلي، فإن الناتج المحلي الإجمالي، الذي يستخدم كمؤشر غير مباشر للقوة الشرائية، لا يفسر سوى 27.6% من مستوى الرفاهية في تونس. ويمثل الدعم الاجتماعي 26.9% والصحة 10.1%.
وبالتالي فإن تحليله يسلط الضوء على الدور المركزي الذي تلعبه العوامل غير الاقتصادية. إن جودة العلاقات الاجتماعية، والتضامن الأسري، والثقة في المؤسسات، والشعور بالأمان، أو حتى تصور القدرة على الوصول إلى الفرص، تلعب دورًا حاسمًا في تقييم المواطنين لحياتهم.
وتذكر بأن المجتمع التونسي يمثل خصوصية مهمة: على الرغم من الصعوبات الاقتصادية، وخاصة بالنسبة للأسر ذات الدخل المنخفض، فإن الآليات الاجتماعية والأسرية لا تزال تشكل عاملا من عوامل المرونة. يساهم الدعم الأسري والانتماء المجتمعي والقيم الثقافية والأمل في الحفاظ على تصور إيجابي للمستقبل.
ويتطابق هذا البعد أيضًا مع بعض استنتاجات عمل الأمم المتحدة بشأن التصورات الاجتماعية، والتي تظهر قدرة كبيرة للتونسيين على الحفاظ على شكل من أشكال التفاؤل على الرغم من القيود الاقتصادية.
لماذا تتراجع تونس في تصنيفات السعادة؟
ومع ذلك، فإن تصور الرفاهية لا يعتمد فقط على التضامن الاجتماعي. وتؤكد نادية زريلي أن التراجع النسبي لتونس في التصنيف العالمي للسعادة يرجع بشكل خاص إلى تدهور بعض العوامل المؤسسية.
وتستشهد على وجه الخصوص بمفهوم الفساد الذي يؤثر بشكل مباشر على الشعور بالعدالة والحصول على الفرص. وبالنسبة للأجيال الشابة على وجه الخصوص، فإن الشعور بأن النجاح يعتمد بشكل أقل على الجدارة بقدر ما يعتمد على الشبكات أو العلاقات يشكل عاملا سلبيا كبيرا.
وتساهم محدودية الوصول إلى الفرص، والحواجز الاجتماعية والمهنية، فضلاً عن فقدان الثقة في الجدارة، في إضعاف الشعور بالرضا، حتى عندما تتطور بعض المؤشرات الاقتصادية بشكل إيجابي.
لماذا انخفاض التضخم لا يكفي لتحسين الحياة اليومية
وتظهر الفجوة بين الإحصاءات الاقتصادية ومشاعر الأسر أيضا في مسألة القوة الشرائية. ومن المفترض أن يؤدي انخفاض التضخم من الناحية النظرية إلى تحسين تصور مستوى المعيشة. ومع ذلك، لا يزال العديد من التونسيين يشعرون بضغوط مالية كبيرة.
ووفقا لنادية زريلي، فإن هذا التناقض يفسر بشكل خاص بحدود الطرق التقليدية لقياس التضخم. وتعتمد المؤشرات بشكل رئيسي على سلة من السلع الاستهلاكية اليومية، في حين أن النفقات التي تأخذ الآن مكانا متزايدا في ميزانيات الأسرة تتعلق أيضا بالخدمات.
تستشهد على وجه الخصوص بالصحة والتعليم والترفيه. ويمثل الوصول إلى الرعاية الخاصة عبئا ثقيلا على نحو متزايد على العديد من الأسر التي تبحث عن بديل للنظام العام الذي يعتبر غير كاف. وعلى نحو مماثل، تخصص الأسر جزءاً كبيراً من دخلها لتعليم أبنائها، وخاصة من خلال التعليم الخاص أو الدروس الخصوصية.
وقت الفراغ هو أيضًا مؤشر واضح على الرفاهية. تساهم العطلات أو النزهات أو الأنشطة الثقافية بشكل كبير في تحسين نوعية الحياة، ولكن لا يزال من الصعب الوصول إليها بالنسبة لجزء كبير من السكان. وبالتالي، حتى عندما يتباطأ التضخم، قد تستمر الأسر في مواجهة تدهور في رفاهتها لأن قراراتها المتعلقة بالميزانية يتم اتخاذها على حساب الأبعاد الأساسية الأخرى للحياة.
نحو تصور جديد للسياسات العامة
ومن أجل دمج الرفاهية بشكل حقيقي في السياسات العامة التونسية، تحدد نادية زريلي ثلاثة تحديات رئيسية.
الأول يتكون من تجاوز النهج النقدي البحت في التعامل مع السياسات الاقتصادية. ويظل الحد من البطالة والسيطرة على التضخم أو تحفيز النمو أمرا أساسيا، ولكن هذه الأهداف يجب أن تكملها رؤية أكثر عالمية تدمج الصحة والتعليم والأمن والبيئة والثقة ونوعية العلاقات الاجتماعية.
ويتعلق التحدي الثاني بتطوير بيانات موثوقة. يصر الخبير الاقتصادي على أهمية وجود معلومات اقتصادية جزئية تسمح لنا بفهم الاختلافات بين الفئات الاجتماعية والأجيال والأقاليم. وبدون بيانات دقيقة عن مشاعر المواطنين، يصبح من الصعب تصميم السياسات المناسبة.
أما المسألة الثالثة فتتعلق بدمج نوعية الحياة في السياسات المحلية. تعتقد نادية زريلي أنه يجب تحليل المناطق بما يتجاوز البنى التحتية الاقتصادية التقليدية، مع الأخذ في الاعتبار إمكانية الوصول إلى الخدمات والبيئة وجودة السكن والمرافق الثقافية وحتى إمكانيات الترفيه.
وتذكر أن العديد من المنظمات الدولية تعمل الآن على تطوير مناهج مثل مؤشرات جودة الحياة أو قواعد بيانات الرفاهية، من أجل تجاوز الرؤية المحدودة للناتج المحلي الإجمالي.
الرفاهية استثمار استراتيجي أكثر من كونه تكلفة
وخلافاً لبعض التصورات، فإن دمج الرفاهة في السياسات العامة لا يتطلب بالضرورة إنفاقاً إضافياً هائلاً. بالنسبة لنادية زريلي، فإن الخطوة الأولى ترتكز قبل كل شيء على تطور في طريقة تصميم السياسات العامة.
ووفقا لها، فإن الأمر يتعلق بتعبئة الخبرات الموجودة وإنتاج بيانات جديدة وإضافة هذا البعد إلى الاستراتيجيات الاقتصادية القائمة بالفعل. ومن الواضح أن النتائج من غير الممكن أن تكون فورية، لأن تقييم السياسة العامة يتطلب عدة سنوات، ولكن تغيير النهج لابد أن يبدأ الآن.
وبينما تسعى تونس إلى إعادة تحديد أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية، يقدم اقتصاد الرفاهية شبكة قراءة جديدة: لم يعد نجاح أي بلد يُقاس بما ينتجه فحسب، بل وأيضاً بالطريقة التي يعيش بها مواطنوه ويأملون ويبنون مستقبلهم. وبالتالي فإن التحدي الحقيقي في السنوات المقبلة سوف يتمثل في تحويل هذا المفهوم إلى أداة ملموسة لصنع القرار العام.


