يقترب الاقتصاد العالمي من نهاية العام في مناخ يجمع بين الشكوك الجيوسياسية والتعديلات النقدية والتوترات المستمرة في الأسواق. ولا يزال مزيج من تباطؤ النمو الأوروبي وضعف مرونة الولايات المتحدة والمخاطر الجيوسياسية المستمرة في الشرق الأوسط يلقي بثقله على تدفقات رأس المال وسلوك المستثمرين.
وفي هذا السياق، تتحرك الأسواق الدولية بحذر، مع زيادة تقلبات العملات والتطبيع البطيء ولكن الملحوظ لأسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة.
وعلى الجبهة المالية، تتوقع الأسواق الآن أن يحافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على انحيازه التقييدي لفترة أطول، على الرغم من التخفيف التدريجي للضغوط التضخمية.
لا تزال فروق الأسعار بين الولايات المتحدة ومنطقة اليورو حاسمة بالنسبة لتطور زوج يورو/دولار EUR/USD، في حين أن إعادة توجيه التجارة العالمية، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد، وانخفاض أسعار بعض المواد الخام تؤثر على التدفقات إلى الأسواق الناشئة.
ولذلك تظل البيئة مختلطة بالنسبة للاقتصادات التي تعتمد على التمويل الخارجي مثل تونس، حيث تظل المراجحة بين المستثمرين حساسة للمخاطر السيادية وديناميكيات الدينار.
في تونس
وفي هذا السياق العالمي المنغلق، يُظهر الوضع التونسي إشارات متضاربة. السيولة البنكية لا يزال تحت التوتر، كما يتضح من الانخفاض رصيد الحساب الجاري للخزانةوالتي تراجعت إلى 1125,5 مليون دينار مقابل 1373,5 مليون دينار في اليوم السابق. رصيد الحساب الجاري العادي للبنوك غير أنها تحسنت بشكل ملحوظ لترتفع إلى 358,4 مليون دينار، وهو ما يعكس استراحة مؤقتة في السيولة بين البنوك. وتستمر الأوراق النقدية والعملات المتداولة في الارتفاع بشكل طفيف، مما يؤكد تفضيل الجمهور لوسائل الدفع السائلة والحفاظ على اقتصاد غير رسمي كبير.
وفي سوق المال، ينتهج البنك المركزي سياسة الاستقرار، مع الحفاظ على سعر الفائدة الرئيسي عند 7.5%. ويتوافق سعر سوق المال بشكل مثالي مع هذا المستوى، مما يدل على إدارة مشددة للسيولة.. الحجم الإجمالي لإعادة التمويل وانخفضت إلى 10.377,4 مليون دينار، أي انخفاضا مقارنة باليوم السابق، وقبل كل شيء، انخفاضا ملحوظا مقارنة بعام 2024. ويعكس هذا التطور ضغطا أقل آنية على السيولة، ولكنه يعكس أيضا زيادة اللجوء إلى العمليات الطويلة الأجل، لا سيما عمليات إعادة التمويل لمدة ستة أشهر والتي وصلت إلى مبلغ غير مسدد قدره 2555 مليون دينار، وهو أعلى بكثير من مستواه قبل سنة.
تظل ديناميكيات المعاملات بين البنوك قوية. عمليات البصر وتقدمت بشكل ملحوظ وتجاوزت 3256 مليون دينار، مما يوفر سيولة ملحوظة بين البنوك. العمليات الآجلة واستقرت في حدود 982 مليون دينار، مما يؤكد استمرار الاستراتيجيات الحصيفة لتدبير أوضاع الميزانية العمومية.
ويستمر وضع مشروع قانون الخزانة في تسليط الضوء على التحول الذي طرأ على هيكل التمويل الحكومي. سندات الخزينة القابلة للدمج تصل الآن إلى 29.137,6 مليون دينار، أي أكثر من 10 مليار دينار مقارنة بعام 2024، في حين سندات قصيرة الأجل في انخفاض حاد. ويؤكد هذا الاتجاه استراتيجية وزارة الخزانة الرامية إلى تمديد فترة استحقاق الدين المحلي، مع السيطرة على ضغوط إعادة التمويل في سياق يظل فيه التمويل الخارجي نادرا.
على المصراع الخارجي، إيرادات السياحة التراكمية وبلغت 7141,5 مليون دينار، وهي زيادة قوية مقارنة بعام 2024، مما يعكس موسما لا يزال ديناميكيا على الرغم من المخاطر الجيوسياسية الإقليمية. دخل العمل كما تتقدم أيضًا، مدعومًا باستئناف التحويلات من الخارج. وفي الوقت نفسه، تشهد خدمة الدين الخارجي التراكمي انخفاضا طفيفا، وهو ما يشير إلى توزيع أكثر اتساعا لآجال الاستحقاق على مدى عام 2025.
صافي الأصول بالعملات الأجنبية واستقرت في حدود 24,815,4 مليون دينار، أي ما يعادل 106 أيام من الواردات. وعلى الرغم من انخفاضها بشكل طفيف مقارنة بمستوى 2024، إلا أن هذه الاحتياطيات تظل مريحة وتتيح دعم سوق الصرف الأجنبي حيث يسجل الدينار أداء متناقضا. وتنخفض قيمته مقابل الدولار ولكنه يرتفع قليلاً مقابل اليورو، تماشياً مع التحركات الدولية. ويؤكد هذا التطور حساسية الدينار لتكوين الدولار في الأسواق العالمية وفجوة النمو بين المنطقتين.
وترسم كل هذه المؤشرات مشهدا اقتصاديا معقدا، حيث تتنقل تونس بين نقاط الضعف الهيكلية والتحسينات العرضية.
على المدى القصيرإن الجمع بين السيولة المصرفية المتقلبة، وسوق المال تحت السيطرة، والاحتياطيات القوية من النقد الأجنبي، من شأنه أن يجعل من الممكن الحفاظ على الاستقرار المالي. ومع ذلك، لا تزال هناك مخاطر. ومن الممكن أن يؤدي تزايد التوترات الجيوسياسية، ومحدودية الوصول إلى التمويل الخارجي والنمو المحلي المعتدل، إلى استمرار الضغط على الدينار وعلى قدرة الدولة على إدارة جدول ديونها.
على المدى المتوسطومع ذلك، فإن المسار سيعتمد إلى حد كبير على القدرة على تعزيز مصداقية الميزانية، وتحسين كفاءة تمويل الاقتصاد وتعزيز المحركات الخارجية، ولا سيما السياحة وتحويلات المغتربين. ويظل تحقيق استقرار إطار الاقتصاد الكلي أمرا ضروريا لتعزيز العودة التدريجية للثقة وإعادة إطلاق الاستثمارات التي تعتبر ضرورية للنمو المستدام.
=============================================================================
مراجع:
(1) المصادر الرئيسية التي تم الرجوع إليها فيما يتعلق بالسياق الدولي: البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا (21 نوفمبر 2025)، وبيانات أسعار برنت / سوق النفط (21 نوفمبر 2025)، ومحضر اجتماع بنك الاحتياطي الفيدرالي / المواقف الأخيرة، وتحليلات رويترز حول رد فعل السوق على التوترات الإقليمية. (البنك الدولي)
(**)
========================================================================
*دكتور. طاهر العلمي،
اقتصادي-مقياس الاقتصاد.
أستاذ-باحث سابق في ISG-TUNIS،
مديرية الأمن العام-مؤسس المعهد الأفريقي
الاقتصاد المالي (IAEF-ONG)


