وإلى أي مدى لا تتعلق المسألة الحقيقية بالاستقرار الاقتصادي، بل بنموذج النمو؟
على المستوى الدولي: النظام العالمي الممزق، ودورة نقدية دون نقطة ربط
يدخل الاقتصاد العالمي عام 2026 في نظام غير مسبوق، حيث لم يعد التطبيع النقدي يعني العودة إلى الاستقرار، بل إرساء حالة دائمة من عدم اليقين. ولم ينجح تراجع التضخم الذي لوحظ في الاقتصادات المتقدمة في استعادة سهولة قراءة الدورات، في حين يعمل التفتت الجيوسياسي والمالي على تفاقم عدم تجانس مسارات الاقتصاد الكلي.
أصبحت السياسة النقدية للبنوك المركزية الكبرى الآن جزءًا من نظام إدارة المخاطر بدلاً من منطق الدورة الكلاسيكية. ويحافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على توازن هش بين دعم النشاط والانضباط في مكافحة التضخم، في حين يتعامل البنك المركزي الأوروبي مع نمو ضعيف بنيوياً وتضخم أساسي مرن.
وفي هذا السياق، يظل الدولار يشكل الأصل المحوري للنظام النقدي الدولي، وهو ما يؤدي تلقائياً إلى تعزيز ضعف الاقتصادات الناشئة. بالنسبة لتونس، يؤدي هذا التكوين إلى قيود خارجية دائمة، حيث يواجه كل تعديل داخلي جمود التمويل الخارجي.
في تونس: السيولة كمتغير تعديل، النظام المصرفي في ظل التروية الهيكلية
تكشف المؤشرات النقدية ليوم 23 يناير 2026 عن ديناميكية متناقضة: تطبيع واضح لظروف السيولة يتزامن مع الاعتماد الهيكلي للنظام المصرفي على تدخل البنك المركزي.
ويشكل التحسن المذهل في رصيد الحساب الجاري للخزينة، الذي تجاوز 2.29 مليار دينار، إشارة قوية. وهو يعكس تعبئة موارد الميزانية لمرة واحدة، وربما تكون مرتبطة بتدفقات الضرائب أو عمليات التمويل. ولكن هذا التحسن لا يعكس التعافي البنيوي للمالية العامة؛ وهو أقرب إلى تعديل التدفق النقدي ضمن إطار ميزانية مقيد.
وفي انعكاس لذلك، فإن انكماش ميزان الحساب الجاري للبنوك يسلط الضوء على استمرار العجز الهيكلي في السيولة. ويتفاقم هذا العجز بفعل الارتفاع المستمر في تداول العملة الذي يصل إلى ما يقارب 27 مليار دينار. وتعكس هذه الديناميكية انقساماً عميقاً في النظام المالي التونسي: حيث يفلت جزء متزايد من المعروض النقدي من الدائرة المصرفية، مما يقلل من قدرة البنوك على تمويل الاقتصاد ويزيد من اعتمادها على إعادة التمويل المركزي.
ويشكل انخفاض الحجم الإجمالي لإعادة التمويل إلى 12.0 مليار دينار تراجعا كبيرا. ومع ذلك، فإن هذا الانخفاض لا يعكس تحسنا كبيرا في مدخرات البنوك، بل يعكس إعادة هيكلة احتياجات السيولة في سياق تباطؤ الائتمان وزيادة القيود الاحترازية.
إن التوافق شبه المثالي بين سعر سوق المال والسعر الرئيسي يؤكد السيطرة التشغيلية للبنك المركزي. لكن هذه الكفاءة الفنية تحجب حقيقة أعمق: وهي أن السياسة النقدية التونسية تعمل ضمن إطار من القيود، حيث يلعب سعر الفائدة دوراً اسمياً أكبر من كونه أداة حقيقية للتنظيم الدوري.
الخزانة والديون: الاقتصاد الكلي طويل الأجل تحت الضغط
يكشف تطور بنية الدين العام التونسي عن تحول صامت ولكنه حاسم. ويعكس الانكماش الهائل في سندات الخزانة قصيرة الأجل المستحقة، بالإضافة إلى الزيادة في سندات الخزانة القابلة للاستيعاب، استراتيجية تهدف إلى تمديد متوسط أجل استحقاق الدين.
وتستجيب هذه الاستراتيجية لمنطق زمني: الحد من مخاطر إعادة التمويل الفوري على حساب تكلفة مالية أعلى. وهو يعكس أيضاً قيداً ضمنياً: التشبع التدريجي للسوق المحلية للأوراق المالية العامة القصيرة الأجل.
لكن عملية إعادة التركيب هذه ليست محايدة على المستوى الاقتصادي الكلي. ومن خلال تعبئة مدخرات البنوك على فترات استحقاق طويلة، تزيد الدولة من تأثير مزاحمة القطاع الخاص، مما يحد من قدرة النظام المصرفي على تمويل الاستثمار الإنتاجي. وبالتالي فإن الدين العام لا يصبح مشكلة تتعلق بالميزانية فحسب، بل وأيضاً عاملاً بنيوياً يعمل على إبطاء النمو المحتمل.
وفي هذا السياق، تبدو سياسة الميزانية التونسية حبيسة نظام الهيمنة المالية، حيث يضطر البنك المركزي إلى تكييف سياسة السيولة لديه مع احتياجات الخزانة، على حساب إدارة الاقتصاد الكلي البحت للدورة.
القيد الخارجي: المحدد الحقيقي للسياسة الاقتصادية
تشكل ديناميكيات احتياطيات العملات الأجنبية المؤشر النهائي لهشاشة الاقتصاد الكلي التونسي. وعلى الرغم من التحسن الاقتصادي الطفيف، انخفض صافي الأصول بالعملة الأجنبية بشكل ملحوظ خلال عام واحد، في حين تقلصت تغطية الواردات.
ويعكس هذا التطور خللاً بنيوياً في ميزان المدفوعات، حيث تلعب عائدات السياحة وتحويلات العاملين في الخارج دوراً داعماً للاستقرار، لكنها لا تعوض ضعف قاعدة التصدير والاعتماد على الواردات.
وتعزز الزيادة في خدمة الدين الخارجي هذا القيد. فهو يقلص مجال مناورة السياسة الاقتصادية ويحول إدارة الاحتياطيات إلى ممارسة دائمة للتحكيم بين استقرار سعر الصرف والحفاظ على مخزون العملات.
وفي هذا السياق، لا ينبغي تفسير الاستقرار النسبي للدينار على أنه علامة على الصلابة، بل على أنه نتيجة لتوازن مُدار، هش بطبيعته. تشبه سياسة سعر الصرف التونسي على نحو متزايد النظام الهجين، حيث تكون المرونة الاسمية محدودة بسبب القيود الاجتماعية والسياسية المتمثلة في انخفاض قيمة العملة.
اقتصاد تحت القيود: نحو توازن جديد أم ركود طويل الأمد؟
على المدى القصيريبدو أن تونس تدخل مرحلة الاستقرار الاسمي. وتعود السيولة المصرفية إلى طبيعتها تدريجياً، ويعمل سوق النقد ضمن إطار خاضع للرقابة، وتستفيد خزينة الدولة من التعديلات العرضية.
لكن هذا الاستقرار يرتكز على أسس هشة. ولا يصاحبه انتعاش دائم في النمو المحتمل، ولا تحسن هيكلي في الوضع الخارجي.
على المدى المتوسطومع ذلك، فإن مسار الاقتصاد الكلي التونسي يواجه خطر الوقوع في نظام من الركود المقيد، الذي يتميز بانخفاض النمو، والاعتماد المستمر على التمويل الداخلي والتعرض المزمن للصدمات الخارجية.
وفي ظل هذا النظام، لم يعد من الممكن تحليل السياسة النقدية بمعزل عن غيرها: فهي تصبح انعكاساً لتسوية الاقتصاد الكلي بين الاستقرار الاسمي، واستدامة الميزانية، والتوازن الخارجي.
وبالتالي فإن المسألة الحقيقية لا تتعلق بالاستقرار الاقتصادي، بل بنموذج النمو. وطالما ظل الاقتصاد التونسي حبيس نمط من النمو المكثف، وضعف الإنتاجية، والاعتماد على التدفقات الخارجية، فإن السياسة الاقتصادية ستستمر في التطور في مساحة ضيقة، حيث يتم دفع ثمن كل مكسب في الاستقرار من خلال تراكم نقاط الهشاشة الكامنة.
وهكذا، خلف السيطرة الواضحة على المؤشرات النقدية، تبرز حقيقة أعمق: إذ أن تونس لا تواجه أزمة حادة، بل تواجه خللاً بنيوياً طويل الأمد، ولا يتطلب حل هذا الخلل تعديلات هامشية، بل إصلاحاً شاملاً لميثاق الاقتصاد الكلي.
=============================================================
مراجع:
(1) المصادر الرئيسية التي تم الرجوع إليها فيما يتعلق بالسياق الدولي: البنك الدولي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان (23/01/2026)، بيانات أسعار برنت / سوق النفط (23/01/2026)، محضر اجتماع بنك الاحتياطي الفيدرالي / المواقف الأخيرة، تحليلات رويترز حول رد فعل السوق على التوترات الإقليمية. (البنك الدولي)
(**)
=============================================================
*دكتور. طاهر العلمي،
اقتصادي-مقياس الاقتصاد.
أستاذ-باحث سابق في ISG-TUNIS،
مديرية الأمن العام-مؤسس المعهد الأفريقي
الاقتصاد المالي (IAEF-ONG)


