يعيش المغرب مرحلة استثمارية غير مسبوقة. ومن البنية التحتية للمياه إلى الطاقات المتجددة، بما في ذلك النقل والصناعة والسياحة، تتضاعف المشاريع وتعيد تشكيل المشهد الاقتصادي الوطني تدريجياً. وإذا كانت بطولة كأس الأمم الأفريقية 2025 وكأس العالم 2030 قد ساهمتا في تسريع هذه الديناميكية، فإنهما لا تشكلان سوى الجزء المرئي من استراتيجية التحول التي بدأت منذ عدة سنوات.
وترى عايدة البويفروري، مديرة أولى في التجاري فاينانس كورب، أن المملكة تواجه الآن تحديا كبيرا: تعبئة الموارد المالية اللازمة لدعم هذا الطموح.
وأكدت أن “المغرب، من خلال القطاع العام وكذلك القطاع الخاص، بدأ مرحلة هيكلة الاستثمار في العديد من مجالات النشاط”. وتتعلق المشاريع بالبنية التحتية للنقل بالإضافة إلى البرامج المرتبطة بالمياه والطاقات المتجددة وحتى الاستثمارات الصناعية الكبيرة.
وبحسب تقديرات التجاري جلوبال للأبحاث، من المتوقع أن تتجاوز احتياجات الاستثمار التراكمية 1000 مليار درهم في أفق 2030. وهو مبلغ كبير يثير حتما مسألة مصادر التمويل.
سوق رأس المال، مكمل أساسي للتمويل المصرفي
تقليديا، تعتمد الشركات المغربية بشكل رئيسي على الائتمان البنكي لتمويل تنميتها. نموذج أثبت فعاليته إلى حد كبير ولكنه قد يصل إلى حدوده بالنظر إلى حجم الاستثمارات المتوقعة.
تقول عايدة البويفروري: “يمثل التمويل البنكي أهم وأقوى وسائل التمويل، لكنه ليس كافيا في حد ذاته”. “إن السوق المالية، من خلال الديون أو الأسهم، سوف تجعل من الممكن تعبئة رأس المال الخاص الكبير والأساسي لدعم هذا المسار.
ويأتي هذا التطور في سياق ملائم بشكل خاص للمركز المالي بالدار البيضاء. وبعد عدة سنوات هادئة نسبيا، يشهد سوق الأوراق المالية نشاطا متجددا يتسم بزيادة في الرسملة وتزايد مشاركة المستثمرين وعودة الاكتتابات العامة الأولية.
ويشير الخبير إلى أن “اليوم نشهد ديناميكية جديدة في سوق الأوراق المالية المغربية مع مستويات رسملة قياسية، وتزايد شهية المستثمرين لسوق الأوراق المالية، ولكن أيضا عودة الاكتتابات العامة الأولية إلى السوق المغربية”.
ويوضح الاكتتاب العام الأولي لشركة SGTM، الذي رافقته مؤخرا مجموعة التجاري وفا بنك، هذه الديناميكية. وسجلت العملية طلبا تجاوز 171 مليار درهم، أي مستوى تجاوز الاكتتاب 34 مرة، مما يدل على السيولة الكبيرة المتاحة في السوق.
أكثر بكثير من مجرد وسيلة تمويل بسيطة
إذا ظل جمع الأموال هو الدافع الرئيسي للشركات التي تطرح أسهمها للاكتتاب العام، فإن فوائد الاكتتاب العام تتجاوز ذلك بكثير.
وبالنسبة للشركات سريعة النمو، فإن فتح رأس المال يوفر إمكانية الوصول إلى الموارد المستدامة دون زيادة الديون بشكل مفرط. وتوضح عايدة البويفروري أن “رأس المال يمثل مصدرا مستقرا ودائما للتمويل. وتعزيزها يعني تحسين النسب المالية وقدرة تمويلية أفضل”.
توفر العملية أيضًا إمكانية تقاسم المخاطر المرتبطة بمشاريع التوسع مع المساهمين الجدد. وتوضح قائلة: “يسمح الاكتتاب العام بتقاسم المخاطر المالية المرتبطة بتوسيع وتحديث البنية التحتية مع المساهمين الجدد، مما يقلل الضغوط المالية ويدعم النمو”.
ويشكل الإدراج أيضًا آلية سيولة للمساهمين التاريخيين وصناديق الاستثمار التي دعمت تطوير الشركة. عنصر أساسي لسلسلة التمويل بأكملها للاقتصاد.
وتتذكر قائلة: “إذا لم تقدم السوق آفاقاً، فإن صناديق الأسهم الخاصة لن تفعل سوى القليل أو لا شيء على الإطلاق لتمويل هذه الشركات لأنه لن يكون لديها سوى عدد قليل جداً من خيارات الخروج”.
الحوكمة والمصداقية والرؤية الإستراتيجية
ومع ذلك، ليست كل الشركات مرشحة للاكتتاب العام. وبحسب عايدة البوفروري، فإن الشركات التي تخوض هذه المغامرة هي عمومًا مجموعات وصلت إلى مستوى معين من النضج، أو شركات عائلية منخرطة في عملية انتقال بين الأجيال أو حتى قادة القطاع الذين يرغبون في تسريع تنميتهم في المغرب وعلى المستوى الدولي.
ومع ذلك، يعتمد نجاح الاكتتاب العام على عدة عوامل محددة. وتصر على أن “نجاح عملية الاكتتاب العام يمكن ملاحظته على المدى المتوسط”.
ومن بين المعايير الرئيسية جودة الأساسيات المالية، وأهمية التقييم المقدم للسوق، وصلابة النموذج الاقتصادي، وقبل كل شيء، قدرة الشركة على إقناع المستثمرين بإمكانياتها في خلق القيمة.
ويؤكد الخبير أن “الحوكمة الرشيدة أصبحت في قلب توقعات المستثمرين في السوق المالية”. يضاف إلى ذلك الحاجة إلى بناء “قصة أسهم” حقيقية، قادرة على ترجمة الطموحات الاستراتيجية للشركة والجمع بين فئات المستثمرين المختلفة.
سوق تقوده قاعدة واسعة من المستثمرين
أحد الدروس المستفادة من عمليات سوق الأوراق المالية الأخيرة يكمن أيضًا في الاهتمام المتزايد للمستثمرين الأفراد.
وتذكر عايدة البوفروري أن “الأفراد يمثلون هيكليا ما يقرب من ثلث الاكتتابات خلال الاكتتابات العامة”. ومع ذلك، فقد كشفت العمليات الأخيرة عن تعبئة أكبر لهذه الفئة، سواء من حيث عدد المشتركين أو من حيث حجم الاستثمار.
وهو اتجاه يعكس الدمقرطة التدريجية للاستثمار في سوق الأوراق المالية وتجديد الثقة في السوق المالية المغربية.
ومع تزايد الاحتياجات التمويلية للمملكة، فإن تعبئة المدخرات الوطنية والدولية ستصبح قضية مركزية. ومن هذا المنظور، لم يعد سوق رأس المال يبدو الآن كبديل بسيط للائتمان البنكي، بل كأحد ركائز تمويل المرحلة المقبلة من التنمية الاقتصادية في المغرب.
شاهد أيضا


