وبينما تحشد اللجان البرلمانية جهودها حول المحاور الاستراتيجية لخطة التنمية الوطنية 2026-2030، هناك مساهمة جديدة تهز أجندة الاقتصاد الكلي. قدم الاتحاد العام التونسي للشغل رسميا إلى وزارة المالية عشرة مقترحات لتفكيك مشروع قانون المالية 2027. ترفض المنظمة النقابية بشدة منطق التقشف وتطرح على الطاولة صدمة حقيقية للتعافي: ضخ 8 مليارات دينار في الاستثمار العمومي (أي 10% من ميزانية الدولة) وإنشاء صندوق وطني مخصص لإعادة الهيكلة الصناعية لشركاتنا الكبرى (الخطوط التونسية وشركة فسفاط قفصة).
تتمتع هذه المبادرة التي أطلقها المركز النقابي بميزة نقل النقاش من مجال الاحتجاج الصارم إلى عقيدة الميزانية البحتة. إلا أنها تصطدم بواقع نظامي غير قابل للتغيير: ما الفائدة من إصدار حزم انتعاش تاريخية إذا ظلت قنوات النقل المالي للدولة مغلقة؟
ولن يكمن التحدي الحقيقي لقانون المالية لعام 2027 في التصويت على هذه المليارات، بل في القدرة الاستيعابية التشغيلية لبنوكنا العامة.
مقترحات الاتحاد العام التونسي للشغل لعام 2027: بين الأهمية المذهبية ومفارقة التمويل
يكشف التحليل التفصيلي لنسخة الاتحاد عن تحول نموذجي مفيد، ولكنه يكشف أيضًا عن مجالات مهمة من الاحتكاك على مستوى الاقتصاد الكلي:
فاصل عقائدي جدير بالثناء: ويقترح الاتحاد العام التونسي للشغل الانتقال من المنطق السلبي لتمويل عجز التشغيل إلى استراتيجية هجومية لتمويل الاستثمارات الترقية. بالنسبة لشركة CPG أو الخطوط الجوية التونسية، فإن إعادة التوجيه نحو نموذج استراتيجي للمساهمين في الدولة له أهمية فنية. ويصاحب ذلك رغبة في حماية القدرة الشرائية من خلال الإصلاح التدريجي لبرنامج IRPP (التوسيع إلى 9 شرائح وإعفاء يصل إلى 7000 دينار).
مفارقة مصادر التمويل: وهنا تصبح المعادلة صعبة. وتوصي المنظمة باستثمار ضخم بقيمة 8 مليارات دينار، فيما تطالب، بحق، بقصر استخدام السلف المقدمة من البنك المركزي على التمويل الإنتاجي فقط وتحقيق توازن أفضل بين الاقتراض الداخلي والخارجي. وفي سياق جفاف الموارد الخارجية، فإن المطالبة بمثل هذا التعافي دون تجفيف سيولة السوق المحلية هو بمثابة حركات بهلوانية في الميزانية.
الحلقة المفقودة: معضلة القدرة الاستيعابية الثلاثية
وبعيداً عن المراجحة المحاسبية، فإن النقد الموضوعي لهذا المسار الاقتصادي يرتكز على فكرة القدرة على الاستيعاب. يُظهر التاريخ الاقتصادي الحديث لتونس أن الانسداد نادراً ما يرتبط بغياب الاستراتيجيات، بل بعدم قدرة أدوات الدولة على تحقيق النتائج. إن ضخ 8 مليارات دينار في أنبوب مالي تعطلته ما نسميه “معضلة التنفيذ الثلاثية” – هذا الصراع الدائم بين منطق الأداء والالتزام الإداري الحذر والضرورات الاجتماعية – هو وهم محاسبي.
ويستند هذا الشلل إلى ثلاث حقائق فنية لا مفر منها:
1. أنظمة المعلومات منيعة للتدفقات الجماعية
ولا تزال البنوك العامة، التي سيتعين عليها تنسيق خطط إعادة الهيكلة وتبسيط القروض الاستثمارية، تعمل في ظل بنية تحتية مجزأة لتكنولوجيا المعلومات. فكيف يمكننا إدارة المخاطر في الوقت الحقيقي أو أتمتة منح التمويل الصناعي المعقد إذا ظلت دوائر البيانات الداخلية مبهمة؟ وبدون تحول رقمي عميق في المكتب الخلفي، فإن ضخ سيولة هائلة لن يؤدي إلا إلى إشباع المنظمات البطيئة بالفعل، مما يحول التعافي إلى جمود إداري.
2. التكلفة الاقتصادية لبطء اتخاذ القرار
الاتحاد العام التونسي للشغل ينتقد النهج التقشفي لمنشور رئاسة الحكومة. لكن التقشف الأشد هو تقشف الزمن. فعندما تمتد معالجة ملف هيكلة التمويل لعدة أشهر بسبب تخفيف المسؤوليات وخوف أصحاب القرار من المخاطر القانونية، فإن التعافي ينتهي من تلقاء نفسه. تتطلب خطة الميزانية السنوية (LF 2027) خفة الحركة وسرعة التنفيذ، وهو أمر لا تستطيع هياكلنا المصرفية، المقيدة بضوابط من عصر آخر، تقديمه اليوم.
3. هجرة العقول التكنولوجية، نقطة عمياء للإصلاحات
وتتطلب إعادة هيكلة الشركات العامة وتحديث البنوك مهارات متطورة (مهندسو السحابة، وعلماء البيانات، وخبراء الأمن السيبراني). ومع ذلك، فإن جداول الرواتب الصارمة في القطاع العام تعمل على تسريع هجرة هذه المواهب على نطاق واسع إلى القطاع الخاص أو على المستوى الدولي. ولا يمكن تحقيق أي انتعاش ذي قيمة مضافة تكنولوجية عالية في ظل افتقار المنظمات إلى رأس المال البشري المؤهل.
التحكيم الجمهوري: الدور المحوري للبرلمان
وفي مواجهة هذه المواجهة بين حصافة الحكومة في الميزانية وطوعية الاتحاد العام التونسي للشغل، يجب على البرلمان ألا يقتصر على دور غرفة التسجيل أو الحكم على التنازلات الناعمة. وعلى النواب الالتزام الجمهوري بربط الموافقة على مظاريف قانون المالية لعام 2027 والخطة بعمليات تدقيق صارمة للأداء مفروضة على إدارة البنوك العامة.
على اللجان النيابية أن تطالب بمؤشرات قابلة للقياس: ما هو متوسط الإطار الزمني المضمون للإفراج عن أموال الاستثمار؟ وما هي الخطط الملموسة لتحديث نظم المعلومات لاستيعاب هذه التدفقات؟ ما هي التدابير المحددة التي يتم نشرها للاحتفاظ بالمهارات التكنولوجية الأساسية لتنفيذ هذه المشاريع؟
إن التصويت على قانون المالية أو الخطة الخمسية من دون التدقيق على الجدوى التشغيلية للمؤسسات المسؤولة عن تمويلها، هو بمثابة انفصال تام بين القرار السياسي والواقع الاقتصادي. ولكي يحدث التعافي، فقد حان الوقت لاستبدال الدبلوماسية الإدارية بثقافة التحكيم والوضوح والمسؤولية.
——————————


