لقد غيرت السماء فوق الشرق الأوسط طبيعتها، ولم تعد منطقة صراع بسيطة لتصبح دائرة مطبوعة هائلة حيث لم يعد التوتر يقاس فقط في حركة القوات، ولكن في تدفق البيانات. بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، انزلقت الحرب إلى تضاريس غير مرئية حيث تتلاشى الشجاعة والأعلام خلف القوة الخام للحسابات، تاركة الذكاء الاصطناعي للجلوس على كرسي القائد لتوجيه العمليات التي لا تنام أبدًا.
في ظل مآذن طهران وناطحات السحاب في تل أبيب، يفرض الآن حضور صامت يصفه الاستراتيجيون بـ«الجنرال الشبح»، لا يرتدي الزي الرسمي ولا زينة الحملة الانتخابية، ومع ذلك فإن نفوذه يتجاوز كل مركز قيادة وكل شبكة مراقبة.
ومن الواضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تحليل، بل أصبح قوة استراتيجية قادرة على استيعاب كميات هائلة من البيانات، والكشف عن الأنماط غير المرئية، وتوقع التصعيد حتى قبل إضفاء الطابع الرسمي على القرارات البشرية. وبالتالي، فإن جزءًا متزايدًا من المواجهة الإقليمية يتم لعبه الآن في العمق السري للخوارزميات.
الحرب الحديثة: النهج الإيراني
في هذا الإعداد الجديد، تأخذ الحرب إيقاع لعبة الشطرنج المتسارعة حيث تعوض الآلة القيود البشرية. عندما يتردد الموظفون ويتعمدون، تقوم الأنظمة الآلية باستمرار بحساب سيناريوهات العمل بناءً على صور الأقمار الصناعية واعتراضات الراديو والآثار الرقمية التي لا تعد ولا تحصى.
وفي هذا الصدد، تستخدم الولايات المتحدة هذه القدرات السيبرانية لتوقع التحركات العسكرية الإيرانية، بينما تعتمد إسرائيل على بنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على تحديد الأهداف وتحديد أولويات التهديدات في لحظات. لم يعد هذا المنطق الخوارزمي نظريًا لأنه تم تطبيقه بالفعل في حرب الإبادة الجماعية في غزة، ولا سيما عبر برنامج “لافندر”، المستخدم لتحليل قواعد بيانات ضخمة من أجل تحديد الأشخاص الذين يُفترض أنهم مرتبطون بتنظيمات مسلحة بسرعة.
وفي مواجهة هذه القوة التكنولوجية، تعمل إيران على تطوير نهج مختلف ولكنه يكشف بنفس القدر عن تحول الحرب الحديثة. طائراتها بدون طيار، التي غالبًا ما يُنظر إليها على أنها ريفية، تدمج في الواقع جزءًا متزايدًا من الذكاء الاصطناعي مما يسمح لها بالتنقل بشكل مستقل، وتكييف مسارها أثناء الطيران، والتعاون أحيانًا في أسراب.
الطائرات بدون طيار الإيرانية: سلاح استراتيجي ومصدر للإلهام
فاجأ هذا التطور العديد من المحللين العسكريين لدرجة أن بعض الأجهزة التي تم استردادها بعد العمليات تمت دراستها بشكل مطول من قبل المهندسين الأمريكيين في برامج الهندسة العكسية التي تهدف إلى فهم وإعادة إنتاج المنطق الخوارزمي المضمن في هذه الآلات. ومن المفارقة أن هذه الطائرات بدون طيار الإيرانية أصبحت سلاحاً استراتيجياً ومصدراً للإلهام التكنولوجي لخصومها.
لكن هذا الصعود في قوة الأنظمة المستقلة يُحدث اضطرابًا عميقًا في المنطق التقليدي للحرب. وبينما تصبح الخوارزميات أسرع وأكثر استقلالية، يصبح الخط الفاصل بين القرار السياسي والاستجابة الفنية أكثر هشاشة. ومن ثم تميل العمليات العسكرية إلى أن يتم تقييمها وفقًا لشرعيتها بقدر ما يتم تقييمها وفقًا لفعاليتها الإحصائية، مما يحول مركز ثقل الصراع نحو العقلانية الباردة حيث تكافح الدبلوماسية لمواكبة الوتيرة التي تفرضها الآلات.
وفي هذا النظام البيئي الجديد، تتوقف المعركة بشكل متزايد على الإدراك نفسه. ومن الآن فصاعدا، تسعى القوى الغربية إلى إرباك الأنظمة الإيرانية من خلال الهجمات الإلكترونية القادرة على التشويش على أجهزة الاستشعار والاتصالات، في حين تحاول طهران إشباع الشبكات المعارضة بسحب من الإشارات الخادعة والإغراءات الإلكترونية التي لم يعد هدفها التدمير فحسب، بل تضليل الخصم من خلال طمس خطوط التمييز الأساسية بين التهديد الحقيقي ووهم الهجوم.
وبالتالي فإن هذا اللقاء التكنولوجي وجهاً لوجه يشبه بروفة لمستقبل الصراعات البشرية، حيث لم يعد الخطر يكمن في إرادة القادة فحسب، بل يظل تحت رحمة جنون العظمة الخوارزمي القاتل حيث ينحصر نظامان متعارضان في دوامة تلقائية من الأعمال الانتقامية. في مثل هذا السيناريو، يمكن أن يبدأ التصعيد في غضون دقائق، قبل وقت طويل من حصول زعيم في واشنطن أو تل أبيب أو طهران على الوقت للتدخل.
ومن المؤسف أن البشرية تكتشف متأخرة أن قوتها التكنولوجية قد ولدت آليات تتجاوز سرعتها في بعض الأحيان حكمة أولئك الذين ابتكروها.
—————————–
الاسمية : محجوب لطفي بلهادي
- الذكاء الاصطناعي في التفكير الاستراتيجي
- مقرر عام سابق ورئيس قسم الأمن السيبراني بالمركز التونسي لدراسات الأمن العالمي
ملحوظة :
-
وفي هذا الموضوع، نود أن نلفت انتباه قرائنا إلى عملنا القادم، “عصر الطائرات بدون طيار: التكنولوجيا وو وي”، والذي سيتم نشره الشهر المقبل.


