لقد أدى النقاش حول تمويل الاقتصاد التونسي، الذي ركز منذ فترة طويلة على تحديد المزودين الرئيسيين للموارد، إلى تسليط الضوء تدريجيا على حقيقة أساسية: إن القيد لا يكمن فقط في حجم التمويل المتاح، بل في هيكلته.
وتعهد خطة 2026-2030 للبنوك العامة بدور مركزي في تحقيق أهدافها: تحول الطاقة، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الاستثمار الإنتاجي. ومع ذلك، لا يزال يتعين تعزيز الهيكل المالي اللازم لتنفيذ هذه الطموحات. وفي سياق يتسم بتعبئة قوية للائتمان المصرفي لتمويل العجز العام وبهيمنة التمويل قصير الأجل، فإن الخطر يتمثل في أن تظل هذه الأهداف غير فعالة جزئيا.


قيد التخصيص بدلا من الموارد
غالباً ما تظل مسألة ندرة الموارد تهيمن على تحليل تمويل الاقتصاد التونسي. وإذا كان هذا البعد موجودا، فإنه لا يشكل العامل المحدد الرئيسي. والمشكلة الحقيقية هي تخصيص الموارد المتاحة. وفي السنوات الأخيرة، تم توجيه جزء كبير من السيولة المصرفية لتمويل الدولة، على حساب القطاع الإنتاجي. وقد أدى هذا التطور إلى إعادة تخصيص المدخرات الوطنية تدريجياً نحو الاستخدامات الأقل إنتاجية بشكل مباشر.
وكل دينار يتم حشده لتمويل الخزينة العامة هو دينار غير متاح لتمويل الاستثمار الخاص أو توسيع الأعمال أو هيكلة المشاريع. وبالتالي فإن المشكلة لا تتعلق بنقص الموارد بقدر ما تتعلق بتوجههم داخل النظام المالي.
نظام مصرفي يهيمن عليه المدى القصير
لا يزال النظام المصرفي التونسي يتميز بتفوق قوي على المدى القصير. ويوجه التمويل المقدم بشكل أساسي نحو احتياجات التدفق النقدي والعمليات التجارية، وبدرجة أقل، تمويل الأصول، وخاصة العقارات.
ومن ناحية أخرى، لا يزال التمويل الطويل الأجل للقطاع الإنتاجي محدودا. ومع ذلك، فإن هذا النوع من التمويل ضروري لدعم الاستثمارات الصناعية ومشاريع الطاقة أو حتى تطوير الأعمال.
ويشكل هذا القصور عائقاً هيكلياً أمام التحول الاقتصادي. وتتطلب أهداف خطة 2026-2030 تعبئة تمويل طويل الأجل، قادر على دعم المشاريع كثيفة رأس المال مع أفق ربحية ممتدة.
الدروس المستفادة من التجارب الدولية
وقد أنشأت العديد من البلدان آليات مؤسسية مخصصة لتمويل التنمية، مما يجعل من الممكن تحسين هيكلة تخصيص الائتمان.
في ألمانياويلعب بنك التنمية الألماني، الذي تأسس عام 1948، دورا مركزيا في التمويل طويل الأجل. وهي تعمل من خلال نموذج تمويل غير مباشر، بالشراكة مع البنوك التجارية، وتستفيد من ضمانة صريحة من الحكومة الفيدرالية.
في فرنساتعمل Bpifrance، التي تم إنشاؤها في عام 2012، كنافذة موحدة تخدم الشركات، وتجمع بين التمويل والضمانات والدعم، مع منطق قوي للتمويل المشترك مع لاعبين من القطاع الخاص.
في البرازيلويدعم البنك الوطني للتنمية الاقتصادية تمويل الاستثمار الإنتاجي واسع النطاق، من خلال تعبئة المدخرات الوطنية.
وتظهر هذه التجارب أن التمويل الفعال للتنمية يعتمد على مؤسسات متخصصة ذات تفويض واضح وقادرة على توجيه التدفقات المالية دون استبدال السوق.
إرث يجب أخذه بعين الاعتبار
وتونس لديها بالفعل خبرة في مؤسسات التنمية. ومع ذلك، فإن اندماجها في الماضي في النظام المصرفي التجاري أثار العديد من الصعوبات، لا سيما فيما يتعلق بجودة الأصول وإدارة المخاطر.
وهذا التراث يتطلب نهجا حذرا. وهو لا يشكك في مبدأ التدخل العام، ولكنه يؤكد على الحاجة إلى تحديد أطر مؤسسية متينة، تقوم على الإدارة الصارمة وإدارة المخاطر الخاضعة للرقابة.
الدور المحدد للبنوك العامة
وفي تكوينها الحالي، تحتل البنوك العامة موقعاً مختلطاً. وكلاهما يخضعان لقيود السوق ويتم تعبئتهما لتحقيق أهداف السياسة العامة، دون تخصص واضح في تمويل التنمية. يبدو أن توضيح مهمتهم ضروري. وهو ينطوي على توجيههم أكثر نحو القطاعات التي لا يغطيها السوق بشكل كاف: الاستثمارات طويلة الأجل، والشركات الصغيرة والمتوسطة في مرحلة النمو، والمشاريع الإقليمية ومبادرات الهيكلة. ولابد أن تكون عملية إعادة التوجيه هذه مصحوبة بعملية تنظيف مسبقة للميزانيات العمومية، وهو شرط أساسي لاستعادة قدرتها على التدخل.
نحو مؤسسة متخصصة في تمويل التنمية
وإلى جانب التعديلات على النظام الحالي، فإن إنشاء مؤسسة تمويل التنمية من الممكن أن يشكل أداة إضافية. ويتمثل دورها في توجيه الموارد نحو الأولويات الاستراتيجية، مع العمل بالتكامل مع البنوك التجارية. ويمكن لمثل هذه المؤسسة أن تتدخل من خلال آليات التمويل المشترك أو الضمان أو إعادة التمويل للمشاريع.
يبدو أن هناك ثلاثة شروط حاسمة:
- الحكم المستقل والمنظمة،
- القدرة على تعبئة الموارد في الأسواق المالية بدعم واضح من الدولة،
- التكامل الحقيقي مع القطاع المصرفي الخاص.
– إعادة توجيه المدخرات نحو الاستثمار الإنتاجي
إن مسألة تمويل التنمية لا تقتصر على تعبئة موارد جديدة. كما يتعلق الأمر أيضًا بالطريقة التي يتم بها توجيه المدخرات الحالية. ولا يزال جزء كبير من المدخرات الوطنية موجها بشكل غير كاف إلى الاستثمار الإنتاجي. ومن الممكن أن يساعد تطوير الآليات المناسبة (وخاصة منتجات الادخار المخصصة والمدعومة من مؤسسة ذات مصداقية) في تحسين هذا التوجه.
توفر خطة 2026-2030 إطارًا استراتيجيًا. ولكن تنفيذها سوف يعتمد على قدرة النظام المالي على مواءمة دوائر التخصيص الخاصة به مع أولويات التنمية. ومن هذا المنظور، يبدو إصلاح البنوك العمومية وإنشاء مؤسسة متخصصة وتعبئة المدخرات الوطنية بمثابة أدوات تكميلية لنفس التحول: الانتقال من منطق قصير الأجل إلى دينامية الاستثمار المستدام.


