وهي معادلة وحدها تلخص الكارثة: إنتاج لتر الحليب يكلف 1900 دينار، ويباع بـ1340 دينارا. وفي الريف التونسي، يعاني آلاف المربين، ويخنقهم ارتفاع التكاليف وأسعار البيع المفروضة. خلف رفوف الزبدة الفارغة، تدور أحداث مأساة اقتصادية ذات جذور عميقة.
إن غياب الزبدة في المتاجر ليس مجرد حادث بسيط. وهذا مؤشر ملموس على نقص الحليب المحلي الطازج. على عكس الزبادي أو الحليب المعقم، لا يمكن تصنيع الزبدة من مسحوق مستورد. يبدو غيابه عن الرفوف بمثابة اعتراف بأن الإنتاج الوطني من الحليب الخام ينهار.
يتحدث على موجات الأثير صبرا اف امويحذر ميداني الضاوي، رئيس اتحاد الفلاحين التونسيين، من أن “المشكلة ليست في اختفاء الزبدة، بل في اختفاء مواشينا. » جفاف تاريخي، ارتفاع في أسعار علف الماشية، عواقب حروب بعيدة… تونس، مثل جيرانها، تتحمل وطأة الصدمات العالمية.
المأزق الاقتصادي للمربي التونسي
الأرقام مذهلة. حزمة التبن بـ40 ديناراً، وطن الطعام بـ1.6 مليون. وفي هذا السياق، كيف يمكن تبرير الاستثمار في بقرة تبلغ قيمتها 14 مليون دينار، وإنتاجها من الحليب لن يغطي حتى التكاليف؟ الجواب لاذع: إنه انتحار مالي.
“لقد فرضنا الأجندة الاجتماعية على المنتج”، يستنكر الميداني الضاوي. لقد أصبح المربي هو حلقة الوصل المضحية، حيث يضطر إلى البيع بخسارة للحفاظ على سعر منخفض للمستهلك. وهو ظلم يمكن أن يؤدي، على المدى الطويل، إلى تجفيف هذا القطاع بشكل دائم.
الإعانات والواردات: الاتحاد يقدم مساراً بديلاً
وفي مواجهة هذه الدوامة المفرغة، يطرح الاتحاد الحلول. ترشيد الدعم – الذي يستفيد منه السياح اليوم – وإعادة توجيه الـ 400 مليم للتر مباشرة نحو الإنتاج. ويؤكد الرئيس أن “دور المربي هو الإنتاج وليس تمويل السياسة الاجتماعية للبلاد”.
كما يدعو إلى التدخل الطارئ: استيراد ما بين 100 ألف إلى 200 ألف رأس من الماشية على نطاق واسع لتجديد القطيع. وهو استثمار ضروري، بحسب قوله، للهروب من هذه “الثقافة الاستهلاكية” التي تفضل الاستيراد على حساب المنتجات المحلية. يستذكر الزعيم الفلاحي ذكرى حقبة ماضية، عندما كانت تونس تتمتع بفائض من الألبان. ويتذكر قائلا: “كنا ننتج 400 ألف لتر أكثر من اللازم يوميا!”. حتى أن البلاد قامت ببناء مصنع للتجفيف وشكلت احتياطيات استراتيجية.
جاء هذا النجاح نتيجة لسياسة استباقية: استيراد السلالات عالية الأداء، والتهجين، والاحتراف. نموذج يقترح تكراره اليوم مع المجترات الصغيرة.
وغدا؟ الخوف من النقص الواسع النطاق
والسؤال الذي يطرح نفسه: بعد الزبدة هل سنرى اختفاء الحليب؟ الميداني ضاوي عصبي بسبب عامل موسمي، حيث تستعد الأبقار للولادة في بداية العام. ولكنه يدرك المخاطر: ففي غياب التدابير القوية، تصبح الأزمة الحالية مجرد مقدمة لما يمكن أن يحدث.
ويقول إن الحلول مطروحة على الطاولة. ويبقى أن نرى ما إذا كانت السلطات ستستمع إليهم، قبل أن يتحول نقص الزبدة إلى اختفاء تام للحليب التونسي.


