يلعب الملح دوراً أساسياً في عمل دماغ الإنسان وجسمه، لدرجة أن الجسم طور آليات بيولوجية محددة للكشف عنه والبحث عنه وتنظيم استهلاكه. ووفقا للعديد من الباحثين الذين أجرت بي بي سي مقابلات معهم، فإن هذه الأهمية الفسيولوجية تفسر إلى حد كبير سبب اعتبار الطعم المالح ممتعا بشكل خاص.
كلوريد الصوديوم، المكون الرئيسي للملح الغذائي، يعمل مباشرة على براعم التذوق. توضح كورتني ويلسون، اختصاصية التذوق في كلية الطب بجامعة كولورادو (الولايات المتحدة)، أن “اللسان يحتوي على خلايا قادرة على اكتشاف أيونات الصوديوم بشكل محدد. وعندما تتلامس هذه الأيونات مع مستقبلات التذوق، فإنها تطلق إشارة كهربائية تنتقل إلى الدماغ. وتسمح هذه الآلية للجسم بالتعرف بسرعة على وجود الصوديوم في النظام الغذائي”.
وتستمر الباحثة في شرحها بالإشارة إلى أن الدماغ لديه نظامان متميزان يرتبطان بطعم الملح. الأول ينتج إحساسًا لطيفًا عندما تتوافق الكمية المستهلكة مع الاحتياجات الفسيولوجية للجسم. أما الثاني فيسبب الرفض عندما يصبح التركيز مفرطا. يضيف ويلسون: “الصوديوم ضروري لعمل الخلايا العصبية والعضلات والتبادلات الكهربائية في جميع أنحاء الجسم. وبالتالي فإن الحفاظ على توازن دقيق أمر حيوي”.
يعزز الملح أيضًا نكهات الأطعمة الأخرى
ويشير العلماء أيضًا إلى أن الملح لديه القدرة على تعزيز نكهات الأطعمة الأخرى، على الرغم من أن الآلية الدقيقة ليست مفهومة تمامًا. تشير الأبحاث إلى أن خلايا التذوق يمكن أن تتفاعل مع بعضها البعض أو أن مناطق معينة من الدماغ تعدل إدراك النكهات الحلوة والمرة والمالحة.
ويشير عالم الأعصاب في جامعة أيوا، جويل جيرلينج، إلى أن الصوديوم ضروري للحياة الخلوية. ويؤكد الباحث أن “كل خلية في جسم الإنسان تستخدم مضخة الصوديوم والبوتاسيوم لتنظيم التبادلات الكيميائية اللازمة لعملها”. تمثل هذه العملية جزءًا كبيرًا من استهلاك الطاقة اليومي للجسم. إن حركات أيونات الصوديوم تمكن من نقل الإشارات العصبية وعمل عضلة القلب.
ماذا عن الحيوانات
ولكن هذا ليس كل شيء. لأن بعض الباحثين يعتقدون أيضًا أن الانجذاب للملح ناتج عن التكيف التطوري. ويقولون إن الصوديوم نادر نسبيا في الحيوانات البرية في البيئة الطبيعية، وخاصة في الأنظمة الغذائية النباتية فقط. علاوة على ذلك، تقوم العديد من الأنواع بتطوير سلوكيات محددة للعثور عليها. على سبيل المثال، تسافر الفيلة الأفريقية مسافات طويلة إلى الكهوف الغنية بالملح، بينما تبحث الغزلان بشكل طبيعي عن حفر الري المالحة.
تشير العديد من الدراسات إلى أن البشر في عصور ما قبل التاريخ اعتمدوا أيضًا بشكل كبير على المصادر الطبيعية للملح. في الواقع، في هالستات بالنمسا، يقال إن أحد أقدم مناجم الملح التي لا تزال تعمل حتى اليوم قد بدأ استخدامها حوالي 5000 قبل الميلاد. يؤكد عالم الآثار دانييل برادنر أن هذا المستودع لعب دورًا رئيسيًا في الاستيطان الدائم للسكان في جبال الألب وفي الحفاظ على الطعام.
كما أظهرت الأبحاث الحديثة وجود خلايا عصبية متخصصة في تنظيم الشهية للملح. يقول جويل جيرلينج أن بعض الخلايا العصبية تكتشف هرمون الألدوستيرون، وهو هرمون يتم إنتاجه عندما تصبح مستويات الملح والماء غير كافية. ومن ثم تقوم هذه الخلايا بتحفيز البحث عن الصوديوم واستهلاكه من أجل استعادة التوازن الداخلي للجسم.


