العجز والتقشف والعدالة الاجتماعية. لماذا ولمن؟


يعود الجدل حول عجز الموازنة في تونس إلى الظهور مع كل قانون مالية، وغالباً ما يتم اختزاله في معارضة تبسيطية بين الصرامة والإنفاق. ومع ذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العجز جيداً أم سيئاً في حد ذاته، بل هو ما هو عليه ومن يستفيد. إن هذا السؤال الأساسي، الذي تحجبه العقيدة النيوليبرالية، هو الذي يحدد المسار الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

معضلة العجز الكاذب: بين العرض والطلب

إن الخطاب السائد، المستورد من معتقدات الليبرالية الجديدة في الثمانينيات، يعارض ميكانيكيا سياسة العرض ــ المؤاتية للقدرة التنافسية وربحية الشركات ــ مع سياسة الطلب، التي تعتبر تضخمية وغير فعّالة. وهذا المنطق المطبق اليوم على تونس يؤدي إلى اعتبار عجز الموازنة خطأً إدارياً، وليس أداة اقتصادية استراتيجية.

يعود الجدل حول عجز الموازنة في تونس إلى الظهور مع كل قانون مالية، وغالباً ما يتم اختزاله في معارضة تبسيطية بين الصرامة والإنفاق. ومع ذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العجز جيداً أم سيئاً في حد ذاته، بل ما هو الغرض منه ومن يستفيد منه. إن هذا السؤال الأساسي، الذي تحجبه العقيدة النيوليبرالية، هو الذي يحدد المسار الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.معضلة العجز الكاذب: بين العرض والطلبوقد مارس أعظم المدافعين عن النيوليبرالية ــ رونالد ريجان ومارجريت تاتشر ــ الكينزية الانتقائية، المختبئة خلف خطاب السوق الحرة. وفي ظل حكومات هذه البلدان، لم ينفجر العجز العام لدعم الأسر أو الخدمات العامة، بل لتمويل الإنفاق العسكري، والإعانات الضخمة للشركات، وتخفيض الضرائب على الأكثر ثراء.التقشف مقابل الإنتاجية الاجتماعيةوتونس ليست استثناء من هذا المنطق. منذ عدة سنوات، يعاني الإنفاق الاستثماري العام من الركود، في حين تستوعب النفقات التشغيلية وخدمة الدين أكثر من 80% من موازنة الدولة.الكينزية ذات التوجه الاجتماعي في تونسفي مواجهة فشل سياسات التقشف وارتفاع معدلات البطالة، يجب على تونس إعادة التفكير في دور العجز في ميزانيتها. ولا ينبغي أن يكون الهدف خفض العجز بأي ثمن، بل جعله منتجا اجتماعيا واقتصاديا.خطورة المجتمع المزدوجوتغذي هذه الازدواجية أرضا خصبة لليأس وفك الارتباط السياسي، حيث تتكاثر الخطابات الشعبوية والإغراءات الاستبدادية. ومثل هذه الديناميكية ليست اقتصادية فحسب: بل إنها تهدد التماسك الوطني.لعجز في خدمة العدالة الاجتماعيةإن مسألة العجز في تونس لا ينبغي لنا أن نطرحها من حيث الأخلاق المحاسبية، بل من حيث الاختيارات المجتمعية. هل ينبغي لنا أن نحافظ على دولة تدعم الإيجارات وتضحي بالخدمات العامة، أم دولة تستثمر في رأس المال البشري والابتكار والتضامن؟

ومع ذلك، يذكرنا التاريخ الحديث بحقيقة مزعجة: أن أعظم المدافعين عن النيوليبرالية ــ رونالد ريجان ومارجريت تاتشر ــ مارسوا الكينزية الانتقائية، مختبئين وراء خطاب السوق الحرة. وفي ظل حكومات هذه البلدان، لم ينفجر العجز العام لدعم الأسر أو الخدمات العامة، بل لتمويل الإنفاق العسكري، والإعانات الضخمة للشركات، وتخفيض الضرائب على الأكثر ثراء.

وهذه المفارقة تدعونا إلى طرح السؤال المركزي: فالمشكلة ليست في العجز، بل في وجهته. وفي تونس، حيث لا يزال العجز يتجاوز 5% من الناتج المحلي الإجمالي، تنشأ نفس المعضلة: هل تنجح تعديلات الميزانية في تصحيح الخلل البنيوي في التوازن البنيوي أم في تحويل تكاليف الأزمة إلى الطبقتين المتوسطة والعاملة؟

وقد مارس أعظم المدافعين عن النيوليبرالية ــ رونالد ريجان ومارجريت تاتشر ــ الكينزية الانتقائية، المختبئة خلف خطاب السوق الحرة. وفي ظل حكومات هذه البلدان، لم ينفجر العجز العام لدعم الأسر أو الخدمات العامة، بل لتمويل الإنفاق العسكري، والإعانات الضخمة للشركات، وتخفيض الضرائب على الأكثر ثراء.

التقشف مقابل الإنتاجية الاجتماعية

وكان لسياسات التقشف المفروضة باسم استقرار الميزانية والسيطرة على الديون آثار اقتصادية مدمرة طويلة الأجل في جميع أنحاء العالم. ومن خلال خفض الإنفاق على التعليم والصحة العامة والبنية التحتية والضمان الاجتماعي، تعرض الدول الاستثمارات الأكثر إنتاجية للخطر في المستقبل.

وتونس ليست استثناء من هذا المنطق. لعدة سنوات، ظل الإنفاق الاستثماري العام في حالة ركود، في حين أن النفقات التشغيلية وخدمة الدين تستحوذ على أكثر من 80% من موازنة الدولة. فالبنية الأساسية تتدهور، وتفتقر المستشفيات إلى الموارد، والمدارس الريفية فارغة، وتضعف الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد.

وتونس ليست استثناء من هذا المنطق. منذ عدة سنوات، يعاني الإنفاق الاستثماري العام من الركود، في حين تستوعب النفقات التشغيلية وخدمة الدين أكثر من 80% من موازنة الدولة.

إنها حلقة مفرغة: فخفض الإنفاق الاجتماعي يضعف الطلب المحلي، ويبطئ النمو، ويؤدي إلى تفاقم التفاوتات، ومن عجيب المفارقات أن يؤدي إلى زيادة الدين العام في الأمد المتوسط. إن ما علمه اقتصاديو التنمية لعقود من الزمن لا يزال صالحا: فالإنفاق الاجتماعي هو استثمار وليس عبئا.

الكينزية ذات التوجه الاجتماعي في تونس

في مواجهة فشل سياسات التقشف وارتفاع معدلات البطالة، يجب على تونس إعادة التفكير في دور العجز في ميزانيتها. ولا ينبغي أن يكون الهدف خفض العجز بأي ثمن، بل العمل على تحقيقه منتجة اجتماعيا واقتصاديا.

وهذا يعني توجيه الإنفاق العام نحو القطاعات ذات التأثير المضاعف العالي: التعليم والصحة والبنية التحتية المحلية وتحول الطاقة. وهذه الاستثمارات هي التي تعزز الإنتاجية وتدعم الاستهلاك وتعزز التماسك الاجتماعي.

في مواجهة فشل سياسات التقشف وارتفاع معدلات البطالة، يجب على تونس إعادة التفكير في دور العجز في ميزانيتها. ولا ينبغي أن يكون الهدف خفض العجز بأي ثمن، بل العمل على تحقيقه منتجة اجتماعيا واقتصاديا.

ويعني مثل هذا الاختيار أيضاً إعادة تعريف العقد الاجتماعي التونسي. ولا تستطيع الطبقات المتوسطة، الخاضعة للضرائب الثقيلة، أن تستمر في تحمل عبء ضبط الميزانية في حين تزدهر الإيجارات والثغرات الضريبية والاقتصاد غير الرسمي من دون أي مساهمة حقيقية في الصالح العام. والعجز، إذا كان لا بد من وجوده، يجب أن يستخدم لتصحيح هذه الاختلالات، وليس لإدامتها.

خطورة المجتمع المزدوج

إن الدروس المستفادة من سنوات ريجان-تاتشر واضحة: فالكينزية الجديدة النيوليبرالية، التي تقوم على تقليص الحقوق الاجتماعية وتوسيع السوق، تنتج مجتمعا مزدوجا ــ عالم حيث تتعايش أقلية متكاملة وأغلبية مهمشة. وتتحمل تونس بالفعل وصمة العار: البطالة الهائلة بين الخريجين الشباب، والعمالة غير الرسمية المستوطنة، وهجرة الأدمغة، وفقدان الثقة في المؤسسات العامة.

وتغذي هذه الازدواجية أرضا خصبة لليأس وفك الارتباط السياسي، حيث تتكاثر الخطابات الشعبوية والإغراءات الاستبدادية. ومثل هذه الديناميكية ليست اقتصادية فحسب: بل إنها تهدد التماسك الوطني.

وتغذي هذه الازدواجية أرضا خصبة لليأس وفك الارتباط السياسي، حيث تتكاثر الخطابات الشعبوية والإغراءات الاستبدادية. ومثل هذه الديناميكية ليست اقتصادية فحسب: بل إنها تهدد التماسك الوطني.

لعجز في خدمة العدالة الاجتماعية

إن مسألة العجز في تونس لا ينبغي لنا أن نطرحها من حيث الأخلاق المحاسبية، بل من حيث الاختيارات المجتمعية. هل ينبغي لنا أن نحافظ على دولة تدعم الإيجارات وتضحي بالخدمات العامة، أم دولة تستثمر في رأس المال البشري والابتكار والتضامن؟

إن العجز الموجه نحو العدالة الاجتماعية لا يشكل تهديدا للاستقرار، بل شرطا لاستدامته. وبينما تستعد البلاد لميزانيتها لعام 2026، فإن الشجاعة السياسية الحقيقية تتمثل في جعل العجز أداة للتنمية الشاملة، وليس عبئا يجب تجنبه.

لأنه في النهاية يبقى السؤال هو نفسه: عجز، نعم، ولكن لماذا ولصالح من؟

إن مسألة العجز في تونس لا ينبغي لنا أن نطرحها من حيث الأخلاق المحاسبية، بل من حيث الاختيارات المجتمعية. هل ينبغي لنا أن نحافظ على دولة تدعم الإيجارات وتضحي بالخدمات العامة، أم دولة تستثمر في رأس المال البشري والابتكار والتضامن؟

=======================================================================

*دكتور. طاهر العلمي،

اقتصادي-مقياس الاقتصاد.

أستاذ-باحث سابق في ISG-TUNIS،

مديرية الأمن العام-مؤسس المعهد الأفريقي

الاقتصاد المالي (IAEF-ONG)

Scroll to Top