إن تطور السياسة النقدية الأمريكية لم يكن أبدا حقيقة بعيدة بالنسبة لتونس. ويتعرض الدينار، الذي وقع في مسار انخفاض محكوم ومستمر، لضغوط مباشرة من تحركات الدولار، التي لا تعكس ديناميكياتها حالة اقتصاد الولايات المتحدة فحسب، بل تعكس أيضا التوقعات العالمية من حيث المخاطر والسيولة والجغرافيا السياسية. إن تردد بنك الاحتياطي الفيدرالي الحالي في مواجهة سوق العمل الضعيف والتضخم المستمر لا يعيد تشكيل المشهد المالي الأميركي فحسب: بل إنه يعيد بصمت تشكيل ظروف الاستقرار النقدي في بلد مثل تونس، المكشوف من خلال بنية اقتصاده ذاتها.
وفي كل مرة يظل الدولار عند مستوى مرتفع، تجد تونس نفسها تلقائياً في مواجهة توتر إضافي على ميزانها الخارجي. إن الارتفاع في قيمة العملة الأمريكية لا يشكل صدمة معزولة، بل يشكل مضاعفة لنقاط الضعف الموجودة بالفعل. إن أهم الواردات التونسية الحيوية – الطاقة، والحبوب، والمدخلات الصناعية، والمكونات الإلكترونية، والسلع الرأسمالية – يتم التعاقد عليها بشكل أساسي بالدولار. وحتى الارتفاع المعتدل في قيمة العملة الأمريكية يترجم على الفور إلى زيادة في إجمالي فاتورة الواردات، مما يعزز الضغوط على الاحتياطيات من النقد الأجنبي ويغير معدل تغطية الاحتياجات الخارجية.
يخلق هذا الاعتماد شبه الميكانيكي تأثير نقل فوري يصعب عكسه. إن الدينار، الذي تعتمد قيمته الخارجية في نهاية المطاف على قدرة البلاد على توليد النقد الأجنبي، يرى أن ثباته يضعف مع كل حلقة من ارتفاع الدولار، وكأن الاقتصاد التونسي وجد نفسه فجأة معرضاً لرياح معاكسة لا يملك الوسائل لحماية نفسه منها.
البنك المركزي التونسي تحت القيود: المراجحة مستحيلة
وفي هذا السياق، يتحول عمل البنك المركزي التونسي إلى عمل متوازن. ويغذي الدولار القوي التضخم المستورد، الأمر الذي يتطلب تشديد السياسة النقدية لتجنب انجراف الأسعار. لكن التشديد المطول يؤدي بشكل ميكانيكي إلى إبطاء الائتمان، ويخنق الطلب الداخلي ويزيد من إضعاف الشركات، التي تواجه بالفعل ارتفاع تكاليف العرض.
وهكذا، يجد البنك المركزي التونسي نفسه حبيس مصفوفة تقييدية: الحفاظ على أسعار الفائدة المرتفعة لتحقيق الاستقرار في الدينار مقابل الدولار، مع المخاطرة بمزيد من تباطؤ الاقتصاد الذي يعاني بالفعل من ضعف النمو. وتحدد تحركات بنك الاحتياطي الفيدرالي جزئياً هذه المراجحة، لأن أي انخفاض أو صيانة مطولة لأسعار الفائدة في الولايات المتحدة يخلف انعكاسات على الفوارق في الجاذبية بين العملات. فعندما تقدم سندات الخزانة الأمريكية مكافآت مرتفعة، فإن المستثمرين الدوليين يقللون من تعرضهم للاقتصادات الناشئة، مما يبرز الندرة النسبية لرأس المال المتجه إلى دول مثل تونس. ويدفع الدينار الثمن في شكل ضغوط متزايدة على تدفقات النقد الأجنبي وارتفاع تكلفة الديون الدولية.
التضخم المستورد: قناة النقل الأكثر روعة
إن ارتفاع الدولار لا يؤدي فقط إلى تغيير تكاليف معاملات الصرف الأجنبي. إنها جزء من سلسلة نقل تؤثر بشكل مباشر على المستوى العام للأسعار. وتشهد القطاعات الأكثر حساسية – الطاقة والغذاء والصناعة – زيادة في مدخلاتها، الأمر الذي يشوه الهوامش ويزيد التكاليف ويؤثر في نهاية المطاف على أسعار المستهلك.
تعاني تونس من التضخم الذي لم يكن نتيجة لسخونة اقتصادية داخلية بقدر ما كان نتيجة لمزيج من التوترات الخارجية. ويعمل كل تغيير في سعر الدولار على تغذية التضخم المستورد الذي يصعب احتواؤه دون التسبب في تباطؤ النشاط. وتخلق هذه الآلية عقوبة مزدوجة: فالتضخم يضعف القوة الشرائية، في حين أن انخفاض قيمة الدينار يعزز، مع كل دورة، شدة الصدمات التضخمية المستقبلية.
خطر انخفاض قيمة العملة لفترات طويلة: سيناريو أساسي وليس مجرد حادث دوري
الدينار ليس مهدداً بالانخفاض المفاجئ، لكنه معرض لتآكل بطيء ومتصاعد ومستمر، وهو ما يمكن أن تعززه ديناميكيات الاحتياطي الفيدرالي. وإذا تباطأ الاقتصاد الأمريكي في خفض أسعار الفائدة، فسيظل الدولار متوترا وسيتعين على تونس التعامل مع بيئة غير مواتية لتمويل عجز حسابها الجاري وضمان استقرار عملتها.
وهذا الخطر ليس نظريا. وهو جزء من مسار حيث تظل احتياطيات النقد الأجنبي، على الرغم من تحسنها الأخير، أقل من عتبة الراحة اللازمة لاستيعاب سلسلة من الصدمات الخارجية. ويجبر الاحتياطي الفيدرالي الحذر تونس على الحفاظ على سياسة نقدية مقيدة، مما يزيد من خطر الضعف التدريجي للدينار طوال عام 2025، حيث تمتص واردات الطاقة والغذاء حصة متزايدة من العملات الأجنبية المتاحة.
بين التكيف والاستراتيجية: إعادة تحديد مكانة الدولار في الاقتصاد التونسي
إن فرط حساسية الدينار تجاه الدولار لا يعود فقط إلى الوضع الدولي. ويكشف عن الاعتماد العميق على هيكل الواردات وضعف تنويع مصادر النقد الأجنبي. إن تونس ليست محكوم عليها بالمعاناة، لكن مساحات العمل تظل ضيقة. إن تطوير الاتفاقيات التجارية المقومة باليورو، وارتفاع الصادرات ذات القيمة المضافة الأعلى، وتشجيع التحويلات من المغتربين، وتنويع الشراكات المالية والاستخدام الخاضع للرقابة لأدوات التحوط من سعر الصرف، كلها تشكل جميع السبل التي من المحتمل أن تخفف من الضغوط التي تمارسها الدورة النقدية الأمريكية.
ولا تعمل هذه الروافع على تحييد تأثيرات بنك الاحتياطي الفيدرالي، ولكنها تجعل من الممكن الحد من مدى الانتقالات السلبية. لا تملك تونس القدرة على التأثير على قرارات واشنطن، لكنها تستطيع التخفيف من حساسية اقتصادها تجاه هيمنة الدولار. الدينار ليس مجرد متغير مالي: إنه تعبير مكثف عن علاقات التبعية والضعف والمرونة التي تحدد مكانة البلاد في الاقتصاد العالمي.
========================================================================
*دكتور. طاهر العلمي،
اقتصادي-مقياس الاقتصاد.
أستاذ-باحث سابق في ISG-TUNIS،
مديرية الأمن العام-مؤسس المعهد الأفريقي
الاقتصاد المالي (IAEF-ONG)


