التونسيون يسحبون المزيد والمزيد من الأموال


تجاوزت العملة المتداولة في تونس عتبة غير مسبوقة. تشير آخر البيانات الصادرة عن البنك المركزي التونسي إلى أن قيمة الأوراق النقدية والعملات المعدنية التي بحوزة الجمهور تجاوزت 29 مليار دينار، مسجلة زيادة بأكثر من 21% خلال سنة واحدة. ويحيي هذا التقدم الجدل حول سلوك الدفع وتحديث النظام المالي وتوازن الاقتصاد الوطني.

وفي تصريح خاص منح ل الاقتصادي المغاربيويحلل الحبيب زيتونة، رئيس جمعية الاقتصاديين التونسيين والأستاذ بكلية الاقتصاد والتصرف بتونس، هذا التطور باعتباره انعكاسا للتحول التدريجي في الاستخدامات النقدية في تونس، وخاصة منذ دخول القواعد الجديدة المتعلقة بالشيكات حيز التنفيذ.

وفقًا للإيكونوميست، تسارعت هذه الظاهرة اعتبارًا من فبراير 2025. وإذا زاد إجمالي المعروض النقدي، بما في ذلك الودائع المصرفية والمدخرات والعملة الورقية، بنحو 12%، فإن المكون النقدي يتطور بسرعة أكبر بكثير، ويتجاوز الآن نموًا سنويًا بنسبة 21%. ويوضح قائلاً: “ما نراه هو قبل كل شيء تغيير في الهيكل”. وكان من الممكن أن تساهم القيود المرتبطة باستخدام الشيكات وصعوبات الصرف في توجيه الأسر والشركات نحو زيادة تفضيل المدفوعات النقدية.

وينعكس هذا التطور في الإحصائيات الأخيرة حول طرق الدفع، والتي تظهر تراجعاً واضحاً في استخدام الشيكات لصالح النقد.

لا يوجد رابط ميكانيكي مع التضخم

وفي مواجهة المخاوف بشأن الآثار الاقتصادية الكلية لهذه الزيادة في النقد، يدعو الحبيب زيتونة إلى الحذر. ووفقا له، سيكون من غير الصحيح إقامة صلة مباشرة بين زيادة العملة المتداولة وتسارع التضخم. يتذكر الخبير الاقتصادي أن النقود الورقية تمثل حوالي 19٪ من إجمالي المعروض النقدي. ومن ثم فإن التطور الشامل للمعروض النقدي، وليس النقد وحده، هو الذي يشكل مؤشرا مناسبا لتحليل الضغوط التضخمية. ويؤكد أن “الأمر يتعلق بتحول في أشكال الاحتفاظ بالمال أكثر من كونه مسألة خلق نقدي مفرط”. وسوف يتم الآن الاحتفاظ ببعض السيولة المودعة سابقًا في البنوك في شكل نقد.

كما تعمل العوامل الظرفية على تضخيم هذه الظاهرة، ولا سيما فترات الإجازة والنفقات الاستثنائية المرتبطة بعيد الأضحى وغيرها، مما يشجع الأسر على سحب المزيد من النقود لتلبية احتياجات الأسرة والسفر.

نظام الدفع لا يتناسب مع الاستخدام

بالنسبة لرئيس ASECTU، فإن قراءة هذه الظاهرة يجب أن تتجاوز مجرد الاعتبارات النقدية. تكمن المشكلة الحقيقية في بنية نظام الدفع التونسي وتأخر التحول الرقمي. ويشير إلى أن “العالم يتجه نحو “اللا نقدي”، بينما تظل تونس تعتمد بشكل كبير على النقد”.

ووفقا له، فإن النظام المصرفي لا يوفر حتى الآن بيئة جذابة وفعالة بما فيه الكفاية لتشجيع المدفوعات الإلكترونية على نطاق واسع. ويؤدي هذا العجز إلى إبطاء اعتماد الحلول الرقمية ويعزز الاعتماد على النقد. ويعزز هذه الملاحظة سعر الفائدة المصرفية الذي لا يزال محدودا، أقل من 40٪. مما يقيد الوصول تلقائيًا إلى أدوات الدفع الحديثة.

وهذا الاعتماد المستمر على النقد له آثار مباشرة على المواطنين والشركات. فهو يحد أولا من إمكانية الحصول على الائتمان بالنسبة للأشخاص الذين لا يتعاملون مع البنوك أو الذين لا يندمجون بشكل كاف في النظام المالي الرسمي. كما أنه يؤدي إلى تعقيد بعض المعاملات التجارية، خاصة بعد الإصلاحات الأخيرة التي تحكم استخدام الشيكات.

وعلى نطاق أوسع، تعمل هيمنة النقد على تعزيز غموض التبادلات الاقتصادية ومن الممكن أن تشجع ممارسات عدم التصريح، وبالتالي تغذية الاقتصاد غير الرسمي وتقليل عائدات الضرائب الحكومية. لأنه “كلما زاد عدد المعاملات التي تتم عبر القنوات الرقمية، زادت إمكانية التتبع والشفافية”، كما يؤكد الخبير الاقتصادي.

التكنولوجيا المالية كوسيلة للتحول

وفي مواجهة هذه التحديات، يدعو الحبيب زيتونة إلى تسريع التحول الرقمي المالي في تونس. ويدعو إلى جعل حلول التكنولوجيا المالية والدفع الرقمي أولوية استراتيجية للسياسات العامة. ومن شأن هذا التوجه، حسب قوله، أن يتيح خفض تكاليف المعاملات وتحديث التبادلات الاقتصادية وتعزيز شفافية النظام المالي.

ويشير إلى أن العديد من البلدان المماثلة قد اعتمدت بالفعل على نطاق واسع الدفع عبر الهاتف المحمول والحلول الرقمية، مع مستويات تنمية اقتصادية أقل في بعض الأحيان من تلك الموجودة في تونس.

أخيرًا، يشير الخبير الاقتصادي إلى ضرورة فتح النقاش حول العملات الرقمية للبنك المركزي، وهو مشروع جار بالفعل على نطاق دولي. وإلى جانب الزيادة في النقد، تظهر إشارة أوسع نطاقا: نظام الدفع التونسي الذي يقع على مفترق الطرق بين الجمود الهيكلي والتحول الرقمي الذي لم يكتمل بعد.

Scroll to Top