تدخل بلادنا حقبة من التحول غير المسبوق. ومن الموانئ إلى المناطق الصناعية، ومن خطوط السكك الحديدية إلى محطات الطاقة الخضراء، تستثمر البلاد بكثافة لإعادة التفكير في أراضيها وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية. وانطلاقاً من رؤية 2035 وسياسة البنية التحتية المستدامة الاستباقية، تعكس هذه الديناميكية طموحاً لبناء نموذج تنموي يعتمد على الابتكار والقدرة التنافسية والمسؤولية البيئية.
تشهد المملكة عقدًا من البنية التحتية والتحول غير المسبوق. تعيد الموانئ وخطوط السرعة العالية والمناطق الصناعية ومحطات الطاقة المتجددة والشبكات اللوجستية رسم خريطة المملكة. ويتطلب الأمر رؤية واضحة وراء هذه الإثارة، وهي جعل الاستثمار في البنية التحتية أساساً للتنمية المستدامة والشاملة والتنافسية. وفي الوقت الذي يعيد فيه تحول الطاقة والتحول الرقمي تحديد الأولويات العالمية، تعتزم البلاد الجمع بين الأداء الاقتصادي والابتكار التكنولوجي والمسؤولية البيئية.
لحظة محورية
ويشكل طموح المغرب جزءا من استراتيجية طويلة المدى، تسترشد برؤية 2035 الناتجة عن نموذج التنمية الجديد (NMD) وخريطة الطريق الوطنية للتحول في مجال الطاقة وإزالة الكربون. وتوجه الدولة جهودها نحو المشاريع ذات التأثير الإقليمي القوي والموانئ البحرية والبنية التحتية للطرق والسكك الحديدية والمراكز الصناعية والمناطق اللوجستية المتكاملة. ويظل تسريع مشاريع النقل والطاقة مجالاً ذا أولوية للاستثمار العام.
وتعكس هذه المشاريع، المدعومة بالشراكات بين القطاعين العام والخاص وتحسين الإدارة، رغبة المملكة في ضمان شبكة متوازنة من الإقليم مع تعزيز مكانتها كمركز إقليمي. وتؤكد المؤشرات الاقتصادية هذه الديناميكية. وفقًا لأحدث البيانات الصادرة عن الجمعية المهنية لمصنعي الأسمنت (APC)، وصلت شحنات الأسمنت إلى أكثر من 9.6 مليون طن في نهاية أغسطس 2025، بزيادة 10.4٪ على أساس سنوي.
وتؤكد هذه الزيادة الزخم المستمر لقطاع البناء والتشييد، مدفوعًا بإعادة إطلاق مشاريع البنية التحتية وتضاعف المشاريع العامة والخاصة في جميع أنحاء المملكة. وقد أصبح القطاع الآن محركًا للتعافي، مدعومًا بالطلب العام والاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية للنقل وتحول الطاقة. وهذا التوسع يغذي النمو ويدعم التوظيف ويجذب مستثمرين مؤسسيين جدد.
المشاريع الكبرى التي تشكل مغرب الغد
توضح المشاريع الرمزية لهذا العقد تماسك السياسة الموجهة نحو القدرة التنافسية الإقليمية. ويواصل طنجة المتوسط، وهو اليوم ميناء الحاويات الرائد في أفريقيا، توسيع قدراته اللوجستية والصناعية، في حين يستعد الناظور غرب المتوسط لتعزيز واجهة البلاد على البحر الأبيض المتوسط.
وعلى الساحل الأطلسي، يجسد مشروع ميناء الداخلة الأطلسي الانفتاح على غرب إفريقيا وصعود قوة المنطقة الجنوبية. وفي الوقت نفسه، فإن الطريق السريع بين الدار البيضاء وأكادير، ومشاريع كهربة شبكة السكك الحديدية وتحديث الطرق السريعة تحمل طموح التنقل المستدام والمتصل. وتصبح هذه المشاريع محفزة لاستراتيجية اقتصادية متكاملة.
ومن خلال تقريب المراكز الصناعية من بعضها البعض، وتبسيط سلاسل الخدمات اللوجستية وخفض تكاليف النقل، فإنها تساهم بشكل مباشر في القدرة التنافسية للنسيج الإنتاجي. وترمز المناطق الصناعية الجديدة بعين الجوهرة أو ميدبارك أو القنيطرة، المصممة وفق معايير بيئية متقدمة، إلى هذا التحول نحو نموذج إنتاجي مستدام وموجه نحو التصدير.
الابتكار والاستدامة في قلب النموذج
تعتمد المشاريع الكبرى الآن على نهج متجدد بشكل عميق. ولم تعد الأولوية تقتصر على الحجم أو سرعة التنفيذ فحسب، بل على كفاءة الطاقة واستدامة المواد وتكامل التقنيات الرقمية.
تعتمد شركات البناء BIM (نمذجة معلومات البناء) لتصميم هياكل أكثر كفاءة وتقليل البصمة الكربونية. يقوم اللاعبون مثل LafargeHolcim Morocco بتعزيز الحلول المصممة بيئيًا والعمليات منخفضة الكربون المتوافقة مع الأهداف الوطنية للحياد المناخي.
ويصاحب هذا التغيير جهد مؤسسي متواصل. وعززت وزارة التحول الطاقي والتنمية المستدامة برامج دعمها للمشاريع العمومية، في حين تعمل الوكالة المغربية لكفاءة الطاقة على زيادة شراكاتها مع الفاعلين الصناعيين.
علاوة على ذلك، حقق قطاع “المواد والبناء” أرباحاً تراكمية بقيمة 3.64 مليار درهم في عام 2024، بزيادة 18.4% على أساس سنوي، مما يدل على أن الاستدامة يمكن أن تكون أيضاً عاملاً في الربحية.
التمويل، أحد ركائز التحول
يعتمد هذا الطموح على هندسة مالية متينة. لقد تمكن المغرب من الجمع بين الاستثمار العام ورأس المال الخاص، مع الاستفادة الخاضعة للرقابة من الشراكات بين القطاعين العام والخاص. ويدعم صندوق الإيداع والتدبير وصندوق محمد السادس للاستثمار والعديد من المؤسسات المصرفية برامج البنية التحتية الكبرى.
ووفقا لتقرير البنك الدولي، نجح المغرب بالفعل في تعبئة التمويل التجاري (القروض، والتوريق، وتمويل المشاريع) للعديد من مشاريع البنية التحتية، لا سيما في مجالي الطاقة والنقل. وتوضح هذه الديناميكية قدرة البلاد على جذب رأس المال الخاص وتنويع مصادر التمويل بما يتجاوز الموارد العامة.
والتأثير المضاعف واضح: فهذه المشاريع تحفز الطلب الوطني، وتخلق الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وتعزز جاذبية المنطقة. ولا تزال بيئة الاقتصاد الكلي مستقرة، مدعومة بأساسيات قوية وحوكمة أشاد بها الشركاء الدوليون. يواصل الاقتصاد المغربي نموه بوتيرة مستدامة، مدفوعا بثقة المستثمرين وتعزيز بنيته التحتية الإنتاجية.
مسار واضح نحو 2035
بحلول عام 2035، يهدف المغرب إلى الاعتراف به ليس فقط كبلد للمشاريع الكبرى، ولكن كنموذج للبنية التحتية المستدامة والذكية. المسألة تتجاوز البناء. يتعلق الأمر ببناء نموذج تنموي يعتمد على الابتكار والطاقة النظيفة والاتصال.
وتجسد هذه المشاريع طموحا وطنيا لخلق مغرب مرن وتنافسي ومثالي في طريق التوفيق بين النمو والمسؤولية. ومن ثم فإن البلاد تمضي قدما بقناعة مشتركة: المستقبل يُبنى اليوم، على أسس بنية تحتية متينة ومستدامة وموجهة نحو الناس.
سناء راقي / إلهامات منظمة التعاون الاقتصادي


