رياض صيداوي، مدير المركز العربي للأبحاث والتحليلات السياسية والاجتماعية، يحلل لصحيفة L’Économiste Maghrébin القضايا الجيوسياسية الحقيقية وراء العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا.
ويشكل اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من قبل لواء من قوات دلتا الأمريكية ليلة 3 يناير/كانون الثاني 2026، بحسب المحلل، نقطة تحول في العلاقات الدولية. وبعيداً عن الخطاب الرسمي بشأن مكافحة تهريب المخدرات، تكشف هذه العملية عن استراتيجية أميركية تهدف إلى عزل الصين وإعادة التأكيد على تفوق الولايات المتحدة على أميركا اللاتينية.
تحليل رياض صيداوي واضح: يسعى دونالد ترامب قبل كل شيء إلى عزل بكين عن حلفائها الاقتصاديين. والعلاقات الصينية الفنزويلية قوية: إذ تستوعب الصين 70% من صادرات النفط الفنزويلية، كما استثمرت المليارات في البلاد. وكان وفد صيني كبير في كاراكاس وقت العملية. وأضاف أن رد الفعل الصيني الحازم يشهد على أهمية الموضوع: بكين تدين الفعل الأمريكي وتطالب بالإفراج الفوري عن مادورو.
ثلاثة سيناريوهات محتملة للمستقبل
وفقاً لرياض صيداوي، هناك ثلاثة سيناريوهات تظهر بالنسبة لمستقبل فنزويلا. السيناريو الأول: أطاح الأمريكيون بمادورو، لكن النظام الثوري يستطيع، كما يعتقد عالم السياسة، أن يستمر في ظل الدعم الصيني المتزايد، العسكري والاقتصادي. يفترض هذا السيناريو أنه لم تكن هناك خيانة، بل مجرد خرق أمني استغلته واشنطن. ومن الممكن أن يستمر رئيس الدولة الجديد ووزير الدفاع على الرغم من غياب مادورو.
أما السيناريو الثاني فيتكون من إعادة توجيه تدريجية: ففي مواجهة استحالة المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، يمكن للقيادة الجديدة أن تتصالح تدريجياً مع واشنطن. وهذا التطور سيتم بشكل تدريجي حتى لا يندفع أنصار مادورو داخل الحزب الحاكم. سيكون هذا بمثابة تحول في السياسة الخارجية يقود فنزويلا إلى أن تصبح حليفًا للولايات المتحدة بدلاً من كونها معارضًا لإمبريالية واشنطن.
أما السيناريو الثالث فيتمثل في تمزيق البلاد وتقسيمها داخلياً. ولم تمنح الانتخابات الديمقراطية الأخيرة لمادورو سوى أغلبية محدودة للغاية ضد منافسه اليميني. ووفقاً للصيداوي، فإن الانقسام داخل القوات المسلحة والشعب يمكن أن يقود فنزويلا نحو حرب أهلية مدمرة.
سهولة العملية تثير التساؤلات، بحسب الصيداوي. ويشير بعض المحللين إلى وجود تواطؤ داخل أجهزة الدولة الفنزويلية، وحتى الجيش. لكن من الصعب الإجابة دون عناصر ملموسة.
وبحسب المحلل، ربما لم يتخذ مادورو الاحتياطات اللازمة. كان من المفترض أن يمنعه بروتوكول صارم من النوم عدة ليال في نفس المكان. وشكل إبقاؤه في مسكن ثابت ثغرة استغلتها القوات الأمريكية.
ووقعت اشتباكات. وبحسب دونالد ترامب، أصيبت القوات الأمريكية ببعض الإصابات وأصيبت مروحية. وقاوم حراس مادورو الشخصيون ذلك. ويقول وزير الدفاع الفنزويلي ونائب الرئيس إنهما يحافظان على الخط السياسي لمادورو ويواصلان القتال.
إن التفوق العسكري الأميركي ساحق: إذ تمتلك فنزويلا جيشاً قوامه 100 ألف جندي مجهزين بأسلحة قديمة، في مواجهة قوة البنتاغون. سيسمح لنا الوقت بتأكيد أو دحض أطروحة الخيانة.
فنزويلا جبهة غير مباشرة للمواجهة الصينية الأميركية
وكثف دونالد ترامب، الذي هدد فنزويلا منذ وصوله إلى السلطة، الضغوط في الأسابيع الأخيرة، وذهب إلى حد الاتصال المباشر بمادورو لمطالبته بترك السلطة. الهدف الاستراتيجي: عزل الصين.
القوتان العظميان اللتان من المرجح أن تهددا الهيمنة الأمريكية هما روسيا والصين. لقد خففت روسيا، المنخرطة في الحرب في أوكرانيا، قبضتها الدولية. ويعمل ترامب على تسريع عملية السلام لصالح المصالح الروسية. وهذا يترك الصين، التي يثير صعود قوتها الاقتصادية والعسكرية واشنطن.
ويتوقع الاستراتيجيون الأمريكيون أنه بحلول عام 2030، سيتجاوز الناتج المحلي الإجمالي الصيني نظيره في الولايات المتحدة. وتقوم الصين بتسليح نفسها على نطاق واسع (ثلاث حاملات طائرات، وقريباً أربع أو خمس حاملات) وتريد إعادة احتلال تايوان.
ويوضح أنه في مواجهة هذا الصعود في السلطة، يريد البنتاغون عزل الصين وإضعاف شركائها الاقتصاديين: فنزويلا وإيران. لقد أصبحت أميركا اللاتينية أرضاً لهذه المواجهة غير المباشرة.
تأثير الدومينو في أمريكا اللاتينية
إذا نجح ترامب تماما في فنزويلا، فسوف يتوجه إلى كولومبيا ثم كوبا. غير أن الجزيرة تمثل تحدياً أكثر تعقيداً: فالنظام الكوبي يتمتع بالقوة ويتمتع بخبرة طويلة في مواجهة المؤامرات الأميركية منذ عملية خليج الخنازير في عام 1961.
ويعتبر هذا الهجوم، بحسب المحلل، جزءا من حرب غير مباشرة ضد الصين. ترامب يقوم بالحسابات ولا يهاجم إلا الأهداف السهلة. وهدد كوريا الشمالية خلال فترة ولايته الأولى قبل أن يصافح رئيسها، متفاخراً بأنه حقق السلام العالمي. لا يزال ترامب يقيم أين يمكنه الفوز وأين يخاطر بالخسارة.
ويوضح القبض على مادورو، وفقاً لرياض صيداوي، هذه الاستراتيجية: ضرب أهداف يسهل الوصول إليها لإضعاف النفوذ الصيني تدريجياً في أمريكا اللاتينية، مع تجنب المواجهة المباشرة مع بكين.
انتهاك صارخ للقانون الدولي
وبحسب رياض الصيداوي فإن التدخل الأمريكي يشكل تجاوزا واضحا للقانون الدولي. ويكرس ميثاق الأمم المتحدة مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها: فالدول هي التي تختار قادتها، وليس القوات الأجنبية. وأي تدخل عسكري يتطلب تفعيل الفصل السابع من الميثاق وقرار من مجلس الأمن.
ولم تتبع إدارة ترامب أيًا من هذه الإجراءات القانونية. ولا يمكن لأي فقيه أن يتفق مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بالقانون الدولي. وهذا الانتهاك جزء من تقليد طويل من التدخلات الأمريكية الأحادية الجانب، أشبه بغزو العراق عام 2003.
سابقة تاريخية: التدخل في بنما عام 1989
وهذه العملية تذكرنا، بحسب عالم السياسة، بالسوابق. في عام 1989، تم اختطاف رئيس بنما بالفعل. التاريخ يعيد نفسه: بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، سعى الأميركيون إلى الحفاظ على تفوقهم العالمي. واليوم، وفي مواجهة صعود روسيا، وخاصة الصين، تعيد واشنطن تفعيل الآليات نفسها.
ويوضح الصيداوي منطق البنتاغون: طالما أننا أقوياء، فلنعزل خصومنا. ومع عجزها عن مواجهة روسيا أو الصين بشكل مباشر، فإنها تقضي على حلفائها، بدءاً بأميركا اللاتينية. وقد تكون كولومبيا وكوبا الأهداف التالية. هذه ليست المحاولة الأميركية الأولى، كما يتذكر عالم السياسة. قامت وكالة المخابرات المركزية بتدبير انقلاب ضد هوغو شافيز. تقود الوكالة تقليديًا هذه العمليات السرية، ولكن عندما تفشل، فإن البنتاغون هو الذي يتدخل. أطلقت وزارة الدفاع، التي أصبحت في الواقع إدارة حربية، هذه العملية بالتعاون مع وكالة المخابرات المركزية. ويخلص عالم السياسة إلى أن التاريخ سيخبرنا ما إذا كانت هذه الاستراتيجية الإمبراطورية، الموروثة من مبدأ مونرو، ستنجح في وقف صعود القوة الصينية أم أنها لن تؤدي إلا إلى تسريع التعددية القطبية في العالم.


