تحول مذهل لهذا الجهادي السابق الذي حارب القوات الأمريكية في العراق، أحمد الشرع. الرئيس السوري المؤقت يختم التقارب مع عدو الأمس خلال زيارته لواشنطن.
من كان يظن أن رئيس الولايات المتحدة سوف يفرش ذات يوم السجادة الحمراء في البيت الأبيض تكريما للرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، المعروف باسم أبو محمد الجولاني، الجهادي السابق الذي أمضى ست سنوات في السجون الأمريكية في أبو غريب قبل أن يبايع تنظيم الدولة الإسلامية ثم يقود الفرع المحلي السابق لتنظيم القاعدة، هيئة تحرير الشام. الرجل الذي حقق قبل عام واحد فقط إنجاز الإطاحة بسلالة الأسد التي دام عمرها نصف قرن. إنهاء أكثر من ثلاثة عشر عاماً من الحرب الأهلية، قبل تبديل الزي العسكري لارتداء البدلة الرئاسية المكونة من ثلاث قطع؟
وبالفعل، فإن الرجل القوي من دمشق هو أول رئيس سوري، منذ استقلال البلاد عام 1946، يستقبله في البيت الأبيض، الاثنين 10 تشرين الثاني/نوفمبر، دونالد ترامب. وتأتي زيارة الرئيس السوري بعد يوم من رفع اسمه من القائمة الأمريكية السوداء للإرهاب. ويأتي ذلك في أعقاب رفع مجلس الأمن الدولي العقوبات المفروضة على سوريا يوم الخميس ترحيبا بالتزام السلطات الجديدة “بمكافحة الإرهاب”.
ميزة مزدوجة لواشنطن
ويبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأمريكي قد استقبل الجهادي السابق الذي وضع مكتب التحقيقات الفيدرالي ثمناً بقيمة 10 ملايين دولار على رأسه من الأعمال الخيرية المسيحية؟ بل لجذب سوريا، البطل السابق للقومية العربية، إلى حظيرة المعسكر الغربي لمواجهة الوجود الروسي في سوريا بشكل أفضل. وبذلك تحصل الولايات المتحدة على ميزة مزدوجة، تتمثل في تقليص النفوذ الروسي في البحر الأبيض المتوسط وتعزيز موطئ قدمها العسكري في المنطقة.
علاوة على ذلك، فإن جدول أعمال زيارة الرئيس السوري إلى واشنطن يتضمن الالتزام السوري بمنع أي عودة لتنظيم داعش. وذلك من خلال: الاتفاق على الانضمام إلى التحالف المناهض للجهاديين الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية؛ – طرد الفصائل الإرهابية الأجنبية، بما في ذلك الفلسطينيون. وكذلك التفاوض على إنشاء قاعدة عسكرية قرب دمشق. وفوق الكعكة: لماذا لا نشجع المضيف السوري، في خضم هذه اللحظة، على الانضمام اتفاقيات ابراهيم بتطبيع علاقاتها مع الدولة اليهودية، الدولة التي تعتبر سوريا نظرياً في حالة حرب معها؟
مشروع هائل
بأي ثمن؟ وفي مقابل الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم، عرضت واشنطن على دمشق الرفع النهائي للعقوبات الدولية المفروضة في ظل نظام الأسد. وذلك وفقاً للمناقشات التي بدأت خلال الاجتماع الأول في المملكة العربية السعودية في شهر مايو الماضي. فضلاً عن المساعدات لإعادة إعمار سوريا، وهو مشروع قد تتجاوز تكلفته مبلغاً فلكياً يبلغ 216 مليار دولار بحسب البنك الدولي.
علاوة على ذلك، تم بالفعل توقيع اتفاقيات مع دولة الإمارات العربية المتحدة لإدارة الموانئ. على سبيل المثال، تم منح امتياز إنشاء محطة حاويات في اللاذقية لشركة شحن فرنسية مقابل 230 مليون يورو. كما أبرمت قطر وتركيا والولايات المتحدة صفقة طاقة بقيمة سبعة مليارات دولار.
حليف استراتيجي
وليس سراً أن استقرار سوريا يمثل رصيداً كبيراً لواشنطن. لأنه من خلال جعل هذا البلد حليفاً استراتيجياً، تعمل الولايات المتحدة على تأمين طرق جديدة للطاقة تربط الخليج بالبحر الأبيض المتوسط عبر سوريا، متجاوزة بذلك إيران وروسيا بحكم الأمر الواقع. وعلى نحو مماثل، فإن شبكة من خطوط أنابيب الغاز التي تعبر تركيا من شأنها أن تجعل من الممكن إمداد أوروبا بالغاز، في حين تضع سوريا في قلب ممر استراتيجي تحت النفوذ الأميركي.
ومن ثم ستسيطر واشنطن على طرق التجارة الإقليمية وتعزز موقفها ضد إيران وروسيا. مع دمج سوريا في استراتيجيتها العالمية المناهضة للصين.
الاختيار المستحيل
في نهاية المطاف، هل سينتهي الأمر بالرئيس الانتقالي السوري الشرع إلى الاستسلام للضغوط الأميركية لضمان البقاء الاقتصادي لبلاده؟
على الرغم من أن الشعب السوري، المنهك منذ 13 عامًا من الحرب الأهلية الدموية التي خلفت أكثر من 500 ألف قتيل، يمر بواحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في عصرنا. وفي الواقع، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما يقرب من 90% من السوريين اليوم يعيشون تحت خط الفقر. نتيجة مباشرة للتضخم المتسارع وانخفاض قيمة الليرة السورية وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية.
يضاف إلى ذلك العقوبات الدولية والعواقب المترتبة على زلزال عام 2023، والتي أدت إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار. ولا يزال ملايين السوريين نازحين داخلياً أو لاجئين في الخارج، ويواجهون عدم اليقين والفقر المدقع.
فهل من المستغرب أن الشعب السوري، مع ما عاشه خلال نصف قرن في عهد آل الأسد، لا يطمح إلا إلى الاستقرار الاقتصادي؛ قبل أي خطاب متعجرف يمجد ما تبقى من القومية العربية؟


